منتديات هتوف  

العودة   منتديات هتوف > أقلام هتوف > قصص و روايات

قصص و روايات قصص , قصص طويلة , قصص رومانسية , روايات , روايات طويلة - تحميل روايات ، روايات طويلة رومنسية



إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 02-15-2010, 12:53 PM   #1
عضو توه داخل بـ رتم الموقع
 
الصورة الرمزية د-سلام
 
تاريخ التسجيل: Dec 2009
الدولة: مع عائلتى
المشاركات: 1,147
معدل تقييم المستوى: 63
د-سلام has a reputation beyond reputeد-سلام has a reputation beyond reputeد-سلام has a reputation beyond reputeد-سلام has a reputation beyond reputeد-سلام has a reputation beyond reputeد-سلام has a reputation beyond reputeد-سلام has a reputation beyond reputeد-سلام has a reputation beyond reputeد-سلام has a reputation beyond reputeد-سلام has a reputation beyond reputeد-سلام has a reputation beyond repute



(adsbygoogle = window.adsbygoogle || []).push({});
افتراضي رواية أشواك

رواية > أشواك
أشواك

سيد قطب رحمه الله دار النشر : دار سعد
* لم تُطبع إلا مرة واحده فقط عام 1947 .. تحوي 148 صفحة .. مقسمة إلىثلاثة عشر فصلا .. وذات حجم متوسّط .
إهداء :
إلى التي سارت معيفي الأشواك ، فدميت ودميَت ،
وشقيتُ وشقيَت . ثمّ سارت في طريق وسرتُ في طريق :
جريحين بعد المعركة . لا نفسها إلى قرار . ولا نفسي إلى
استقرار . . .
...................................... سيد قطب .........
.. أشواك ..
حينما أمسك بيدهاليلبسها خاتم الخطوبة ، في حفل من الأهل والأصدقاء ، وفي ضوء الأنوار الساطعة ،وعلى أنغام الموسيقى في الحجرة المجاورة ... أحس بيدها ترتعش متقلّصة في يده ، ونظرفإذا دمعة تند من عينيها .
شعرَ بشوكة حادة تنغرز في فؤاده ، وغامت الدنيافي عينيه ، وتوقّع شراً غامضاً يوشك أن ينقضّ ، بل شعر بالكارثة تظلله ، وتغشىحياته . ولكنه تماسك ، وأسرع يدعوها إلى المقصف المعد في مكان آخر ، غير ملتفتلدعوة المدعوين !
وهناك – قبل أن يحضر أحد – نظرَ في عينيها المغرورقتين ،فإذا هي تحاول بشدّة أن تبتسم ، وتحاول أن تبدو خفيفة رشيقة كعهدها في غالب الأحيان .
أمسك بيديها بين يديه ، وحدق في وجهها ، وهو يقول :
= ماذا ؟
قالت :
= لا شيء !
قال :
= بل هناك أشياء .. ويجب أن أعلم هذه الأشياء .
قالت :
= أوه ! قلت لا شيء . ثم اسكت لقد بدأوا يحضرون !
قال :
= أسكت .. على أن تعديني بكل شيء بعد انصرافهم
قالت :
= وهو كذلك !
وكانوا قد أقبلوا يتغامزون ، فسحبت يدها من يده ، متظاهرة بالدلال والخفة ،كأنما كانا يتناجيان ويتعابثان في غفلة من عيون الرقباء .
***
قالت في لهجة مناورة :
= ولماذا تصر على أن هناك شيئاً ؟ ألا تتأثرالفتاة ، وهي تقف في مفترق الطريق بين عهدين ؟
قال في لهجة جادة :
= اسمعييا سميرة ، إنني أعرفك جيداً ، ولم تعد خافية منك تخفى عليّ ، ولقد لاحظت تلكالنوبات التي تفجؤك وأنت معي في أبهج اللحظات ، وهي علامة لا تخطيء على أن هناكشيئاً . ثم إنني أحبك ذلك الحب الذي تعرفينه ، وإن بين قلبي وقلبك تلك " الشيفرة " الخفية ، التي تجعل لكل دقة في فؤادك صداها القوي في فؤادي ، فلا تحاولي أنتغالطيني أو تغالطي نفسك ،بعد اليوم .
فارقتها ابتسامتها ، وخذلهاتماسكها ، وغامت على وجهها سحابة من الأسى ، وقالت في صوتٍ غائر كأنما ينبعثُ منأعماق هاوية :
= أعلم أنك تحبني فوق مقدور الإنسان ، وهذا ما يعذب ضميري .
ثم سكتت سكته رهيبة فتناول يدها في صمت ، وهو يحس هول العاصفة تجتاح نفسهافتحطمها وتوشك أن تجتاح حياتهما جميعاً ، وحدّق بشدة في عينيها ونظر إليها مستزيداً !
قالت :
= اغفر لي أن أقول لك كل شيء . إنني أثق بك ثقة عميقة ، وأشعربمقدار حبك لي ، ولو فتشت في قلبي لوجدت لك مثل هذا الشعور فيه . ولكن هنالك فيضميري أشواكاً سأضع عليها يدك ، وأترك لك التصرف فيها كما تريد ...
قال :
= قولي كل شيء ولا تخافي !
قالت :
= لقد عزمت أن أقول ....................
***
....... في نهاية قصتها كانت تقول، وهي تهتز وتختلج : (( وهذه الدمعة التي رأيتها لم يكن منها بد . كنتُ أشيّع بهاعهداً عزيزاً . كان اللحن الموسيقي من حولي هو لحن الجنازة ، أشيع به نعشه للمرةالأخيرة ..... والآن لقد انتهى ............. )) !
وحينما بلغت القصةإلى هذا الحد كان قد اعتزم في نفسه أمراً ، لا يدري كيف اعتزمه ، ولا بأي شعور اتجهإليه . كان الفارق بينه وبين فتاته عشر سنوات ، ولكنه أحس في هذه اللحظات القصارأنه يشيخ . وكان يحبها حبا عنيفاً مجنونا ، ولكنه أحس في هذه اللحظات القصار أنهيحبها حبا سماويا شفيفاً . وكان شديد الغيرة متوفز الإحساس . ولكنه أحس في هذهاللحظات القصار أنه فوق العواطف البشرية ، وفوق غرائز الإنسان .
قالفي صوت خفيض رتيب رهيب :
= يا بنيتي . إنني أعطف عليكما ، فاعتمدي عليوسأساعدكما !
قالت في دهشة :
= تساعدنا ؟ وكيف ؟
قال في توكيد :
= ستكونين له !
قالت في ذعر :
= وأنت ؟
قال :
= سأكون لك منذ اليومأخا وصديقاً !
قالت :
= وتضحي حبك لي كله ، وماضيك معي كله ، وجهدك من أجليكله ؟
قال :
= نعم أضحيه . ولا زلت على استعداد لغيره من التضحيات . أضحيهوأنا أعلم أنني ضحيت بالحياة !
قالت مبهورة :
= يا الله : إنك نبيل . بل أنت أنبل من إنسان .....
وحينما آوى إلى فراشه ! انجلى عنه هذاالخُمار المريح ، وتنبّهت أعصابه ، وواجه كأنما هوّة تنفتح بين قدميه ، وفجوةتفصل شطري حياته ، ومدى من العمر لا يقاس بالآباد !
لقد بنى في أحلامهعشهما المنتظر ، ولقد مضى بخياله يطوي الأيام ، ولقد عاش هذه الأحلام عيشة الواقع ،واستغرق في هذا الخيال ، حتى لم يعد يفرق بينه وبين الحقيقة !
فأين هو الآن منهذه الأحلام ؟
لقد أحسّ بالطعنة ، وعرف انه فقد الحلم القديم : حلمالحورية الهاربة التي سيقودها مغمضة العينين إلى العش المسحور . بعد أن عاش في هذاالحلم عامين كاملين ، وبعد أن سحر بها منذ اللقاء الأول ، وأعدّ نفسه وأحاسيسه كلهالارتقاب اليوم الموعود .
وجد نفسهُ يبكي ..
ثم أدركته رحمة اللهفنام .
.
.
.. وكان الصباح ..
وصل إلى مكتبهِ في الصباح – ولا يدري كيف وصل،لم يلق باله في هذا اليوم إلى شيء في الطريق . تم كل شيء كما تتم الحركة الآلية .
وكان يبدو على مظهره السكون والاستسلام والانقياد ، لم يكن له رأي ولا هدفولا اتجاه . صحا فذهب إلى مرافق المياه ، ولبس ملابسه في صمت ، وانطلق إلى الطريقفركب القطار ، وجلس في مقعده ، ووصل إلى الديوان ..!
وقال أحد زملائه فيالمكتب :
= خير إن شاء الله . مالك يا فلان ؟
فافترت شفتاه عن ابتسامةمغتصبة ذابلة وقال :
= خير ! لاشيء ! أترى شيئاً ؟
قال زميله :
= ألمحعليك الإجهاد . لا بد أنك كنت سهران !
قال :
= أي والله ! كنتُ سهران !
ثم انصرف الزملاء إلى أحاديثهم اليومية التافهة ، وانصرف هو إلى نفسه ، لايحاول حتى أن يتكلف فيتجمل أمام الزملاء .
كان لا يحس بأي أحد ، بل لم يكن يحسبالمكان !
ودق جرس التليفون . فإذا بالموظف القريب يناديه . وصحا فجأةفاختل توازنه ، وهو يلبي النداء وأمسك بالسماعة ، وفي يده بقية من اضطراب .
قال : آلو ...!
قالت :
= آلو . أنت سامي ؟
قال ولم يدرك بعد شيئاً :
= نعم يا سيدتي !
قالت في لهجة مرحة مستخفّة :
= أتعرف من التي تكلمك ؟
ولم يكن يدري صوتها في التليفون ، ولكنه وجد في نفسه بعض الانتعاش على كل حال .
قال :
= لا . من أنت ؟
قالت :
= سميرة !
نسي أنه في الحجرةبين زملائه . وأحس بالوحدة والانفراد ، بل غابت عنه معالم المكان والزمان ! وارتجفتكل ذرة في كيانه وحاول أن يقول أشياء كثيرة لا يدريها ، فاضطربت في دمه الكلمات . وأخيراً فتح الله عليه بجملة تافهة بعد مضي لحظات :
= صحيح ؟ أنت سميرة !
قالت وقد جلجل صوتها بضحكة عذبة ، نفذت إلى ذرات جسمه وحناياه :
= واللهأنا ! ألا تصدق ؟
قال وقد استردّ شيئاً من إرادته ونفسه :
= إن صوتك رائعفي التليفون !
قالت مشرقة مبتهجة :
= صحيح ؟
قال :
= والله !
وخاف ألا يجد ألفاظاً ، وألا يهتدي إلى موضوع يطيل به الحديث ، فقال :
= وأين أنتِ الآن ؟
قالت :
= أتكلم من صيدلية في العتبة .
فاستمر في هذاالحديث التافه الذي هو أبعد ما يكون عما يريد أن يقول :
= وإلى متى ستمكثينهناك ؟!
قالت :
= إنني عائدة إلى البيت الآن .
وأغلق عليه الحديث . فصمت لحظة . وبحث عن موضوع جديد ، أو عن طريقة لإنهاء المحادثة ، فلم يفتح اللهعليه بشيء . فما أنقذه إلا صوتها هي ، تراجع الحديث :
= .... وستأتي الليلة ؟!
قال في توكيد ظاهر :
= طبعاً ! متى يحسن أن أجيء ؟
قالت :
= في أيوقت . ولكن حذار ألا تأتي !
قال في نشوة وخفة :
= لا آتي ؟ وكيف ؟ سأكونعندكم في الساعة الخامسة .
وفي هذه اللحظة تنبه إلى أنه بين زملائه . فأرادفي محاولة ساذجة أن يبعد عن نفسه الريب ، وعنها هي أولا! وإن لم يعلم أحد من تكون ! قال :
= أخبري (( بابا )) أنني سأحضر في هذه الساعة !
قالت :
= هوبطبيعته يكون موجوداً ... سعيدة !
قال :
= سعيدة .. إلى اللقاء .
***
ووضع السماعة ، وهو في نشوة حقيقية كالتي يحدثها الشراب . كان يحس أن وجهه يلتهب وأنفاسه تفور ! وكان يحس أن كيانه يختلج ، وأنه لو سارلتلجلجت خطاه .
وقال زميله الذي لقيه في الصباح :
= يبدو أنها محادثةسارة . لقد أشرق محياك !
قال وهو يتلعثم ويضحك ويضبط شفتيه في آن :
= نعم ( وبلا سابق إنذار ) .... إنها خطيبتي !
وأثار هذا التصريح عاصفة بين الزملاء : قال أحدهم : مبروك ! . وقال الآخر : لم تدعنا إلى الحفلة ! . وقال الثالث : ولاأخذنا (( الملبس )) ! وقال أحدهم : والله وقعت يا أخانا في النهاية ، وجاءت رجلك ! . فرد عليه زميله : اسكت .. المهم أن لا تفوتنا الحفلة الثانية ولا (( الملبّس )) !
ووجد نفسه يقول في دعابة وبشر وانطلاق :
= اطمئنوا .. فلن يفوتكم شيءإن شاء الله .
وكانت هذه الفترة وتلك الضجة ، كفيلتين باسترجاع اتزانه . فتحرك يغادر الحجرة لا يدري إلى أي اتجاه . ولكنه يسير بخطوات سريعة قافزة نشيطة ،يقطع المشي الطويل أمام الحجر حيث لا يتبيّن له قصدا ، فيرتد يقطعه كرة أخرى !
***
وثقلت عليه ساعات الديوان – وإن كان غير مقيد بالمواعيدفظل يغالب رغبته في الخروج – وإن كان لا يدري إلى أين يخرج – حتى بقى على الموعدالرسمي ثلاثة أرباع الساعة . وهنا أفتت منه أعصابه ، واستعصى عليه البقاء . فخرجإلى الفضاء !
وحينما وجد نفسه خارج الديوان ، واجهته مشكلة الاتجاه : أينيذهب الآن ؟ إلى منزله ليتناول الغداء ، ثم يعود في الميعاد !
وسار بضع خطوات ،ولكن جاذبا قويا كان في نفسه يشده عن المسير ، فعاد أدراجه حتى وقف أمام الديوان ...
ولم لا يتغدى في المدينة ، ويستريح في مقهى ، حتى يأتي الميعاد ؟
واندفع في هذا الاتجاه .. وشعر بأنه استراح إليه ! إنه هنا في المدينة يكونقريباً من الدار !
وأحس انه سعيد .. وغابت عن حسه الأشواك . وسار في خطواتخفيفة ، مشرق النفس ، نشيط الجسم ، مفتح الحواس .
وفي مطعم يعتاده حينيتخلف في القاهرة ، تناول غداءه بنهم ، وإن لم يشعر بما يذوق . ثم انتقل إلى مشربهاديء يستريح إلى هدوئه . وجلس يرتقب الميعاد .
ولكن الساعة لا تزالالثالثة . وأمامه ساعتان طويلتان . فأين ينفق ذلك الوقت الطويل ؟ وثقل عليه الزمنكما ثقل عليه الطعام – وفارقه نشاطه وخفته ، وبدأ يجثم على صدره نوع من الكآبة تسربإلى نفسه من حيث لا يدري . وفي هذا الجو الذي استحال كامداً بعد فترة ، أخذت تتواردعلى خواطره صور الأمس القريب : يداها وهي ترتعش في يده ، ودمعتها تندّ من عينيها ،وخلوتها بعد انصراف المدعوين ، واعترافها له بالأشواك ، فيشعر بهوة عميقة تفصل بينهوبينها . وهنا يحس بيد تقبض أعصابه وتضغطها ، فينتفض كمن يريد الخلاص .
ويثقل عليه جو المكان وهدوؤه ، والظلال التي تبعثها الأنوار الملونةالمضاءة نهاراً في الركن الذي آوى إليه ، ويحس انه يلتقط أنفاسه بصعوبة ، فينتفضواقفاً كما يفاجأ بخطر ، ويتناول أوراقه وجرائده ، ثم ينطلق مسرعا إلى الشارع ،كالذي يفر من شيء مخيف ! ثم يسير في الطريق خطوات سريعة بعض الشيء ، ثم يهديء سرعتهقليلاً ، وهو يتطلع إلى بعض واجهات المتاجر الزجاجية في غير انتباه .
وفجأةيقف أمام دكانة روائح عطرية ، ويتفحص الزجاجات الأنيقة ، فتعجبه إحداها . وفجأةتهتف به خواطره بأن يختار واحدة منها هدية ، فيدب في كيانه النشاط المرح ، وتنجليعنه الغمرة الثقيلة ، ويشعر في جسده بالخفة والانتعاش .
ولم يطل لحديث بينهوبين البائع . فقد اختار زجاجة على هيئة قلب ، من عطر فرنسي قديم التعبئة ( كما كتبعلى الزجاجة ) ونقده الثمن المرتفع بعض الشيء ، وأخذها في علبتها الأنيقة وخرج ....
خرج فرحان كالطفل باللعبة الجديدة . وسار وفي يده الزجاجة يمسكهابحرص واحتراس . واندفعت خطواتته مرحه نشيطة قافزة . ولكن إلى غير اتجاه ...
كان سائراً في الشارع وهو نشوان ، فكان كالمفاجأة له أن ينظر فيرى الترامالذي يركبه إلى هناك ، وكاد يقفز لولا أنه استيقظ إلى أن الموعد بعيد . فترك التراميمضي وفي نفسه شوق ملهوف !
***
وبعد خطوات وجد مقهىمطروقاً ، ووجد نفسه يجلس إلى مقعد فيه ، كالذي طال عليه السرى فألقى بجسمه ليستريح . وطلب شايا ، فأحس بعد تناوله بالنشاط واليقظة .. ونظر ساعته فإذا هي الرابعة إلاربعاً . بقيت ساعة وربع .. والطريق لا يستغرق أكثر من نصف ساعة . واستثقل الزمنالباقي . فقام يمشي .
وفي هذه المرة لم يستطع أن يغالب جاذبية الترام حينماجاء مرة أخرى ، فقفز في وسط المحطتين ، وآوى إلى مقاعد الدرجة الأولى الخالية . لقدكان يحس دائما وهو ذاهب إلى هناك أنه أعز من أن يندس في غمار الجماهير !
وعندما كان في محطة المنزل كانت الساعة بالضبط الرابعة والربع . وكان يحرصعلى أن يبدو هادئاً مضبوطاً في تصرفاته وأقواله . يداري بهذا المظهر ما يضطرب فينفسه من نوازع وهواتف واندفاعات ، فعز عليه أن يخلف ميعاده ، وأن يزعجهم قبلالميعاد ، فراح يتمشى !
وكان قريبا من المنزل فضاء فسيح ، يحمل له في نفسهبعض الذكريات . لقد كان يسكن هنا قبل عشرة اعوام ، وكان يومها فتى يافعا ، كان هذاالفضاء الفسيح يعجبه فيجول فيه ، حيث يخلو إلى الهواء والفضاء ... والشعر في بعضالأحيان !
راح ينقل خطوه في هذا الفضاء ويجوس خلاله ، وخلال الذكريات التياستطاعت أن تطغى على الحاضر بكل ما فيه .
وحينما انتبه . وجد الساعةالخامسة إلا دقائق معدودات . فأبهجه هذا ونشطه ، وانطلق يغذ السير ويسرع الخطوات فياتجاه الدار !
.
.
.. صراع ..
استقبلته مشرقة متهللة كأن لم يكن بالأمس شيء ، واستقبلهالجميع في ابتهاج ، وقدم لها زجاجة العطر الثمينة . وبدلاً من أن يزيد هذا فيإشراقها وتهللها . لاحظ في يدها رجفة وهي تتناول الهدية ! فانقبضت نفسه ، وتذكرخاتم الخطوبة ! وغاض البشر في وجهه على الرغم من تظاهره بالبشاشة .
ولم يلحظأحد من أهل المنزل شيئاً مما حدث . بل بدا عليهم وعلى الأم خاصة نوع من الاستبشارالمتخفف الطليق . كانوا قوماً طيبين ، لا تنطوي نفوسهم على شيء من التركيب والتعقيد . وكانوا مغرقين في ثقة مريحة بمستقبل ابنتهم السعيد ، مع هذا الشاب الودود . وكانتألفته بهم قد توثقت خلال فترة طويلة ، فعاد فرداً من الأسرة ، موثوقا به كل الوثوق، محبوباً من كل فرد في المنزل ، حتى من كلبهم الصغير الذي كان يبصبص له بذنبه ،ويتواثب على قدميه ، يشاركه في ذلك أخواها الصغيران !
وانطلق الجميع إلىلون من ألوان الحديث المرح اللطيف ، يناسب جو الخطوبة السعيدة ! ثم أخذ الجميعينسحبون واحداً إثر واحد ، ليخلو الجو للخطيبين السعيدين !
***
قالت – بعد أن خلا بهما المكان – وقد علا وجهها نوع من الجد والكآبة :
= اسمع يا سامي ... أرجو أن لا تحضر لي شيئاً من الهدايا !
وأحس لهذاالحديث بوقع الشوك المسموم ، فقال في ألم يخفيه :
= ولماذا يا سميرة ؟
قالت :
= لا أستحق !
قالتها في وجوم ثقيل ، وفي همود حسير . وطأطأت رأسها إلىالأرض كأنما هي آخر كلمة تقال !
قال :
= اسمعي . إنني لا أستريح لمثلهذه الكلمات . فهل لديك حديث آخر ؟ من فضلك أنا لست في حاجة إلى المزيد .
ولمحتفي وجهه مرارة ، وفي قسماته وجوماً . فحاولت أن تغير الجو بابتسامة مغتصبة .ولكنهاراحت تقول :
= صحيح ! أنا لا أستحق منك كل هذا الاهتمام . إنك إنسان طيب القلب، خالص النية . أما أنا فبنت شريرة من الذي يرى كل هذا النبل ثم لا يخلص لك . ولكنأنا . أنا التي تسيء إليك في ليلة خطوبتك !
وأربد وجهها وتغيّر ، وهي تلقيإليه بالكلمات الأخيرة . وهنا واجهته المشكلة كلها ، وقد كان قد ركنها جانبا ،ووخزته الأشواك بحدة ، فبدت على وجهه أمارات الألم الحاد . وأدركت بغريزتها الفطنةحقيقة الألم وعمقه ، فارتدت بسرعة إلى الجانب الآخر .
قالت في تودد مغر ،وفي استسلام وديع :
= ولكنني أرجو أم تكون بجانبي . وألا تدعني وحيدة . إننيأستطيع أن أقاوم الماضي ، وأن أنتزع الأشواك حين أراك معي ، أستمد منك الثقةوالحرارة . وإنك لصاحب حق في أن تمتليء نفسك بالشوك ، وفي أن تقطع ما بيننا كله ،وأن تفصم هذه الخطبة المعقودة ، وأن تسترد (( شبكتك )) أو تطوح بها في الفضاء . ولكن لتذكر مع ذلك أنني كشفت لك عن كل شيء راغبة غير مضطرة . وأنني أثق بك ثقة لاحد لها ، وأن أحداً من اهلي – حتى أمي – لا يعلم شيئاً مما حدثتك عنه ، واعترفت لكبه ...... إنك الآن الرجل الوحيد الذي أعوذ به من الماضي وألوذ به من الأشواك !!!
ونظر إلى جبينها المطرق ، وإلى عينيها الذابلتين فإذا كل معاني الاستسلام : (( إنك الآن الرجل الوحيد ، الذي أعوذ به من الماضي ، وألوذ به من الأشواك )) !
قال :
= وهو ؟ ما رأيه ؟ وما موقفه من موقفك الآن ؟
قالت :
= لستأدري . فإني لم أعد أراه . لقد رفضوه كل الرفض حينما تقدم لخطبتي قبل عام .
قال :
= ما رأيك في أنني أحب أن أراه ؟
قالت :
= تراه ؟ وماذا تصنع به ؟ ( وبدا عليها الاضطراب ) .
قال :
= لست أدري ، ولكن لا بد لي أن أراه !
قالت متوسلة :
= لست أفهم معنى هذا الإصرار ، نفسي تحدثني أن الخير في ألاتراه !
وكان هذا وحده كفيلاً بأن يزيده إصراراً . فارتفعت نبرة صوته في لهجةجازمة :
= علاقتنا كلها متوقفة على أن أراه . فأعطني عنوانه ، ولا عليك ممايحدث بعد الآن !
قالت :
= تهدد ! إذن فإليك عنوانه ... ( ونظرت إليه نظرةطويلة مليئة بالرجاء والتوسل والاستفسار ) !
***
لم يكنيدري – في الحقيقة – لماذا يود أن يراه . إنه لم يسأل نفسه هذا السؤال .. أ لعلهيود أن يقيس نفسه إليه في حومة الصراع !
على أيه حال لقد اندفع يصفق في فناءمنزله القريب من منزلها ، وهو يسأل عن الشاب الضابط (( ضياء )) !
وخرج لهشاب أبيض البشرة قصير بعض الشيء ، في حركاته شيء من البرود ، وأحس في نفسه بشيء منالراحة والاطمئنان لا يدري مأتاه !
قال له :
= حضرتك ضياء أفندي
قال :
= نعم
قال :
= أنا سامي ... وأرغب في أن أحادثك في أمر خاص .
ولو أنك لا تعرفني من قبل ! ، قال الشاب :
= آه .. سامي ... لا .. أناأعرفك .. سأرتدي ملابسي حالا .. وأخرج إليك بعيداً عن المنزل ... تفضل ...!!!
قال :
= لا .. لا داعي للدخول .. أنا في انتظارك على محطة الترام .
***
ووقف على محطة الترام يقطعها جيئة وذهوبا ، وفي خطواتهآلية ، وفي نفسه اضطراب : لماذا قابله ؟ ومالذي سيحدثه به ؟ ...
وأحس في رأسهبغليان !
ولم تمض دقائق حتى كان الشاب بملابسه الرسمية ! فقطع عليه اضطرابه .
قال الشاب :
= أين نجلس ؟
قال :
= في أي مكان . ليس في الشارع إلاقهوة (( نصف بلدية )) ولكن لا بأس بها . فهي أقرب من مقاهي القاهرة .
ها هو ذاالترام ، فلنركب هاتين المحطتين .
وقفزا فأدركا الترام .
***
لم يكن يدري كيف يبدأ الحديث .. فصفق للنادلوكلفه إحضار (( الطلبين )) وكان في هذا مهلة عله يجد مفتاح الحديث .. ولكن النادلمضى ثم عاد ، دون أن يفتح الله عليه بكلمة تقال ..
وأخيراً زالت الحبسة منلسانه ، فتحرك ، ودار الحوار .
= لقد أخذت عنوانك من سميرة !
= آه .. إنهابنت طيبة ، لقد عرفت أنك خطيبها . وهي بنت حلال !
= لقد خطبتها قبل أن أعلمقصتكما . أما الآن فقد تتغير الأحوال .
= إذن هي قصت عليك كل شيء ؟
= نعموبالتفصيل .. وإني لأحب أن أعرف : ما إذا كنتما اليوم راغبين في محاولة ما أخفقتمافيه قبل عام ، إنني أضع بين يديكما نفوذي لدى أهلها الذين يعدونني واحداً منهم ،ونقودي التي أعددتها إذا كان هذا عائقاً أيضاً .
لم يدرك كيف اندفعت من فيههذه الكلمات .. أهي رغبته الحقيقية في التخلي عنها بعد أن ظهر له ما ظهر ؟ أم هوإيثاره لسعادتها كما كان يزعم لنفسه ؟ أم هو استطلاع ما بينهما من تماسك واتصال ؟
ولكن الشاب لم يتحمس لهذا العرض – كما كان ينتظر – بل راح يقول في لهجةباردة فيها شيء من الطراوة ومط الألفاظ :
= ولكن ماذا نصنع لأهلها .. لقدقابلوني مقابلة سيئة جداً حينما ذهبت أخطبها .. ثم إن أهلي كذلك يمانعون في زواجيمنها إلى حد تهديدي بالقتل إذا أنا أخذتها .. إن أمي تريد لي بنتا غنية .. بنت صادقباشا .. وهم يعرفون اسمك وصلتك بسميرة .. ولذا لم أرد أن أستقبلك في المنزل !
ثم زايله البرود ، وعلت نبرة صوته ، وبدا فيها شيء من الصدق والإخلاص وهويقول : لن أتزوج ما دامت سميرة ليست من نصيبي !
قال ، وقد تغيرت نفسه ،وبدا فيها غيظ مكتوم :
= قلت لك : إنني سأمهد لكما الطريق ، سأجعل أهلهايقبلونك ، أما أهلك أنت فعليك إقناعهم ، وإن لم يقتنعوا ..أفلست يا أخي رجلاً ؟ ( قالها في لهجة غيظ وازدراء ) !
قال الشاب – وقد ذهبت عنه حماسته الوقتية - :
= ولكنني مسافر للسودان بعد أيام ! فإذا كانت تنتظرني حتى أعود .. فسأتقدمإليها !
وكاد يصفعه ، ولكنه تمالك .. ثم اندفع يقول :
= هذا ليس كلاماً ،فإن كنت تريد شيئاً ، فتقدم اليوم ، وقدم مهراً ، إذا لم تستطع أن تكتب كتابك !
قال :
= إذا رضى أهلها فأنا على استعداد .
عندئذ أحس أن طعنةأصابته ، وأن الدنيا تظلم في عينيه ، وانقطع حبل الحديث ، ولكن الشاب عاود الكلامفي رخاوة عجيبة :
= أنا لا أعرف لماذا تكرهها أمي كل هذه الكراهية ؟ إن أهلييعتقدون أنها ستأخذني منهم ، مع أنها هي التي ردتني إليهم حين غضبت منهم في العامالماضي ، وبقيت في المعسكر لا أدخل بيتهم عدة أيام ؟
قال في استفسار مغيظ :
= وكيف ردتك إليهم ؟
قال الشاب :
= جاءت إلي في المعسكر عند الهرم ،وهددتني بقطع علاقاتها بي إذا أنا لم أعد للمنزل ، فعدت معها ...
جاءت إليهفي المعسكر عند الهرم ! هنا أحس بالدوار ، هنا تراقصت في خياله عشرات من الصورالمتتابعة ، كان يقف عند صورة منها ثم يطيل الوقوف . صورة (( خيمة )) في المعسكر . وهما منفردان . وهو هذا الشاب (( المائع )) وهي هذه الفتاة التي كانت ترتعش حينماتراه – كما قالت له في الاعتراف – والتي ودعته بدموعها في ليلة (( الشبكة )) وقالت : إن اللحن من حولها كان لحن الجنازة تشيعه به إلى مقره الأخير . مقره الأخير ؟ هاها ها !
ووجد نفسه يقف للانصراف . ووجد نفسه يقول في حماسة :
= انتهينا، ستتقدم لأهلها غداً ، وسأنسحب أنا الليلة ، وسأمهد لكما كل شيء منذ الآن !
***
لم يكن يدور في نفسه – وهو عائد إلى منزلها – إلا خاطر واحد :خاطر الانسحاب .. وإلا صورة واحدة : صورة (( الخيمة )) ، ولكنه يكذب على نفسه وعلىالناس لو قال : إن نفسه لم تكن شعلة من الجحيم ، وإن دماءه لم تكن تغلي في عروقه . وإنه لم تدر في أعماق حسه معركة بين شتى الاتجاهات ، وأنه لم يستسهل حماقة الجريمةعلى وضع من الأوضاع !
ودخل المنزل ، فبادرت إليه ، وفي عينيها نظرة استفهاممتوسلة . فاتسعت حدقتاها – وهي تنظر إليه – وعلا صدرها وهبط ، وماتت على لسانهاالكلمات !
وانقضت فترة طويلة قبل أن يجد لسانه يتكلم .
قال وهو يتكلفالسخرية وعدم المبالاة :
= انتهينا يا ستي .. استعدي للعودة إلى ضياء !
فدنت منه ووضعت يدها على كتفه في خوف الطفلة المتوسلة وقالت :
= ضياء ! كيف؟
قال وقد زايله هدوءه المتصنع :
= ضياء صاحب (( الخيمة )) في معسكر الهرم !
بدا على وجهها الذعر ، وعلى عينيها الاضطراب ، وتلعثم لسانها بالكلمات ، ثمقالت في انفعال :
= أي (( خيمة )) هو قال لك إنني ذهبت إليه في (( خيمة )) ؟ .. ( ثم جزت أسنانها في غيظ ) ... الكذاب !
لا يدري لم استراح وهي تلفظ هذهالكلمة ، وإن لم تصل إلى موضع الشك في نفسه ...
قال :
= ألم تذهبي إليه فيالمعسكر ، لترديه إلى أهله حين غضب منهم منذ عام ؟
قالت :
= نعم ذهبت ،ولكنني لم أقابله في (( خيمة )) لقد تمشينا بعيداً عن المعسكر في الرمال !
آه .. الرمال .. وهذه كارثة أخرى .. فما الفارق بين الخيمة والرمال ؟
قال :
= على أيه حال لقد انتهينا . ستكونين له . وسيأتي هنا غداً . وسأخبر أهلك الليلة بانسحابي ، دون إبداء الأسباب ، وإن كنت قد تعهدت بأن أمهد لكماالطريق . لأنه هو متخوف من معارضة أهلك وأهله .
قالت منفعلة :
= يا سيدي لكأن تنسحب إذا شئت ، ولكن ليس لك أن تقهرني على شيء لا أريده .. إنني أكرهه .. لمأعد أتصور أن أراه ..
قال وهو يتصنع السخرية والهدوء :
= يا (( ستي )) إنكتغالطين نفسك . فدعيني أؤدي واجبي !
قالت ، وقد شرقت بالدمع ، واختنق صوتهابالكلمات :
= تؤدي واجبك ! واجبك في أن تتخلى عن الفتاة التي اعترفت لك بكل شيء . التي لم ترد أن تغشك أو تغش ضميرها ، التي وثقت بك فطلبت معونتك . تؤدي واجبك ! ولم لم يؤد هو واجبه في هذا الأمد الطويل . أليس رجلاً . لم لا يذلل عقبات نفسهفيدع لك أنت أن تذللها له ... الجبان !
نطقت بهذه العبارة كلها في سرعةخاطفة ، ولم تكد تنتهي منها حتى بلغت أعلى طبقات النشيج ، وأخذ جسمها كله يرتجفويهتز ... وبلا شعور ولا قصد ، وجد نفسه يقترب منها ، ثم يضمها إليه ، فتجاوبه فياستسلام ، وتدفن وجهها في صدره بعنف ، ثم إذا هو يرفع وجهها بين يديه ، وعيناهامغرورقتان بالدموع ، وفي وجهها براءة معذبة . ثم لا يدري كيف قد نسي كل شيء .. فإذاشفتاه تهويان على شفتيها ، فتستجيب له بكل ما فيها .. ثم يستمعان إلى وقع أقدام ،فينتبهان !
***
قالت له – وقد أمنت واطمأنت ، وعاودتها روحالدعابة والشيطنة :
= كيف وجدته بالله ؟
قال :
= أتريدين أن أصدقك ؟ أمتراني أجامل ذوقك ؟
قالت – وقد فارقتها روح الدعابة ، وبدا على وجهها الجدوالاهتمام :
= لا .. لا تقل لي عنه شيئاً . إنني أعرف عيوبه ، وأحب أن أقولهاأنا . ولكنني لا أطيق أن يقولها لي أحد .. وبخاصة أنت ! .. إنه تافه ، وساذج و (( بلدي )) في ألفاظه وحركاته ... ولكنه طيب . طيب جدا ومخلص . وفي خلال عامين كاملين، لم يرد أن يضع يده علي في مرة من المرات !
وأحس لهذه العبارة الأخيرةبوخزة في شعوره . لماذا هذه الإشارة ؟ لتنفي ريبته في المعسكر ؟ ولكن من قال : إنهذا يزيل ريبته ولا يقويها ؟ ثم لم لا تطيق حتى اليوم أم تسمع فيه قدحاً ؟ .... ولكنها تعرف حقيقته ، وتصفه بالتفاهة والسذاجة ، وإن وصفته بالطيبة والإخلاص !
وانطلق المارد . وقام في نفسه الصراع ...
وأدركت هي ما يجول فيخاطره – ولم يكن شيء مما يدور في نفسه يخفى عليها – فأرادت أن تأتيه من الناحيةالتي تعرف ضعفه فيها : من ناحية مروءته وناحية حبه .
قالت :
= أعرف أنكلم تعد تثق بي . معك حق . ولكن ألم أصارحك بكل شيء . ثق أنه لو كان هناك شيء ماأحجمت عن ذكره لك . إنني واثقة بك إلى حد لا تتصوره . فليس هناك ما يمنعني منالتصريح ، ولست أخفي عليك أنني أصارع نفسي في بعض الأحيان ، وأنني أحس لهذا المخلوقالتافه كثيرا من الإعزاز . لا تنس أنني أحببته في يوم من الأيام إلى حد العبادة ... كنت طفلة مجنونة وكان طفلا ساذجاً ! ولا يزال ! ثم إنني لم أكن قد صادفت رجلاً ... لم أكن قد عرفتك !
وتطلعت إليه بنظرة كلها نداء ... واستطاع أن ينسى في هذهاللحظة هواجسه كلها ليستجيب . ولكنها بعد لحظة كانت تنتفض مذعورة بين يديه ، وكأنهامست من شيطان . وكانت تنفلت إلى حجرة السرير فتدفن وجهها في الفراش ... وتستلمللبكاء !
إنه الصراع .....
***
لم ينسحب ، ولمينبئ أهلها بشيء ، ولم يحضر الشاب كذلك . وانقضت ثلاثة أيام . وكان هناك . وعلمأنها ذهبت إلى عيادة الطبيب لتأخذ حقنة (( الكلسيوم )) ، وكانت عيادته في المنزلالمجاور بالذات ، فلم يرافقها إلى العيادة القريبة .
ثم حضرت ... دخلتشاحبة الوجه ،تغرورق عيناها بالدموع . ثم انفلتت إلى حجرة النوم فأغلقتها عليها ،دون أن تعرج على حجرة الاستقبال ، حيث كانت هناك بعض الزائرات .
ولمحهاتدخل ، فتبعها دون أن يُخطر أمها وزائراتها . ولم يكد يفتح الباب حتى وقع نظره علىمنظر مؤذ جداً : الفتاة منحنية على السرير في اضطراب ، وجسدها كله يتقلص كالملدوغ .
قال :
= هل أدخل ؟
فأومأت إليه أن يجيء . ولم يكد يحاذيها . حتىانتصبت انحائها ، فألقت بنفسها عليه ، ودفنت وجهها في صدره وطوقته بذراعيها في عنف، وانطلقت تبكي ...
وقف حائراً بعض الوقت ، وتركها تهدأ بالبكاء .. ثم لمعفي ذهنه خاطر غريب . قال :
= هل قابلته في الطريق ؟
وفوجئت بكشف سرها علىهذا النحو اليسير . وكأنما استراحت لهذا الكشف أيضاً دون أن تقول . فقالت ، ووجههافي صدره :
= نعم قابلته الآن ؟
قال :
= وماذا قال لك ؟ ولماذا تبكين ؟
قالت :
= لقد طلب إلي أن أرد له صوره ورسائله ، ما دمت قد صرت إلى رجل آخر، وانتهى كل شيء !
وهنا علا نشيجها وزاد اضطرابها فأحنقه هذا . ولكن أدركتهرقته عليها ، فقال في نبرة تمزج بين الغيظ والرقة ، وفي لهجة مريرة مغلفة بقلةاللامبالاة :
= ألم أقل لك يا بنية : إنك تغالطين نفسك ، وإن الأفضل هو التسليموالاعتراف ؟
فسكتت فجأة عن البكاء ، ورفعت وجهها إليه ، وقد علته مسحة من الجدالصارم وقالت ، وهي تمسح دموعها بالمنديل :
= في غير هذه اللحظة يحسن منك هذاالكلام !
وكان ينبغي أن يسكت أو يثور . ولكنه وجد في نفسه خفة وانطلاقا . قال :
= إنني لأعجب لك يا بنية : أفي حضني أنا تنشجين عليه ؟
قالت وقد خفت هيالأخرى وانتعشت :
= معك حق . ولكنني والله لست أفهم . إنني كلما وجدت نفسي فيضيقة تطلعت إليك أنت ، وكلما خفت من شيء لجأت إليك أنت ، ولم أفكر في أن ألجأ إلىأحد آخر : لا والدتي ، ولا والدي ، ولا هذا الذي أبكي عليه منذ لحظة ! . أقول لكالحق : إنني بنت مجنونة .. إنني لا أعرف حقيقة اتجاهي ، لا تضحك إذا قلت لك : إننيفي بعض اللحظات أتمنى أن يباح لي زواجكما معاً .. أنت وهو .. ليت ذلك ممكناً ! إننيأحبه فقط حينما أحس أن كل شيء بيننا سينتهي إلى الأبد ، وأحبك أنت عندما أحس أننيسأحرم منك .
ومع أن هذا التصريح آذاه ، فإنه وجد نفسه يفكر ، ووجد نفسه يعطفعلى هذه الفتاة التي يتصارع الماضي والحاضر في نفسها مثل هذا الصراع . فقال فيدعابة :
= وهو كذلك يا بنيتي ، أنا قابل لهذا الحل الأخير !!!
قالت وقدعاودها الجد :
= لا . إنني لك .وليست هذه إلا جذوراً لماض سخيف . ساعدني علىاقتلاعها من نفسي . قل إنك لن تتخلى عني .. قل .. ( وأمسكت بيده بين يديها في إعزازظاهر ) .......... فقال !
سِخريات ..
أذن لهما أبوها فيأن يرافقها إلى السينما في حفلة الساعة الثالثة والربع ، بعد أن يتناول في دراهمطعام الغداء .
وخرج من الديوان مبكراً في هذا اليوم ، ليصل في ميعاد مناسب . ووجدها قائمة على تحضير المائدة في خفة ونشاط واجتمع أفراد الأسرة حوله ، يحتفلونبه / وهم في ابتهاج ظاهر وفرح واستبشار ، وتناوبوا جميعاً تقديم أطايب المائدة لهعلى الطريقة الشرقية التي تتم عن طيبة القلب وصفاء السريرة ، وإن كانت تضايق في بعضالأحيان – واشتركت هي معهم في هذا الإكرام ، بعد إحراجها بالفكاهات والنكات من أمهاالتي كانت الدنيا لا تسعها من الفرح ! .. إنها سيدة طيبة عصبية المزاج ، مصابة بداءالكبد ، وتريد أن تفرح ، وأن تقشع الهم ، لأن الكدر يثير عليها الداء ، وهذه بنتهاالجميلة خطيبة شاب تثق في أخلاقه ، ومستقبله طيب ، وهو ملحوظ المكانة في الأوساطالأدبية والسياسية ، كما علمت من بعض الناس . والعائلة كلها تحسدها على هذا التوفيق . فما الذي يعوقها عن الفرح والبهجة والاستبشار ؟!
وانفضت المأدبة ، وتناولالجميع الشاي والقهوة ، حسب أمزجتهم وعاداتهم . واقترب موعد السينما فتهيأت للخروج . و حينما خرجت من حجرة الزينة بدت وكأنها قطعة من الفتنة تتحرك ، فأحس في نفسهإحساس الغني الموفور الثراء ، وهو يطالع رصيده الضخم ... أهذه كلها له ؟ وانتعشت كلذرة فيه .
ونزلا إلى الطريق ينتظران الترام . وفي المحطة لمح ضابطا شابايحوم حولهما ، فبدا عليه التضايق ، وتحركت غيرته العنيفة ، ولحظت هي تغير وجهه ،فأدركتها خفتها الشيطانية ، وقالت عابثة :
= واحد ثان !
ولم يحس لهذهالإشارة بأية وخزة . فقد كانت عيناها ونبراتها تنطق بأنها له وحده في هذه اللحظة ،وأن الأنثى المتباهية بفتنتها هي وحدها التي تتكلم فيها !
فانطلقت أساريره بعضالشيء ، وقال معابثا هو الآخر :
= من يدري ؟ !
وأقبل الترام ، فركبا فيمقاعد الدرجة الأولى ، وكانا وحدهما . وأحس انه يملك جوهرة ثمينة وأنه حارسها . وفتح الباب الفاصل بين الدرجتين ، ودخل كمسارى الترام . وهو رجل عجوز متهدم يتحاملعلى نفسه بجهد . دخل مطرق الرأس فنظر – كأنما إلى أقدامهما وحدها – وقطع تذكرتينومد يده بها في فتور . وفجأة رفع رأسه وانتفض كالمأخوذ وهو يحدق في وجهها بشدة ،حتى لم ينتبه إلى اليد الأخرى التي تمد له النقود ، وتناول تذكرتي الترام . ثم تنبهإلى موقفه فانسحب مسرعاً وأغلق خلفه الباب ! .. ونظر هو إليها ، فإذا هي تغالبعاصفة من الضحك ، وعيناها تدمعان ، ويختلج جسمها كله في اهتزاز . فقال :
= مالك؟
قالت – في تخابث فاتن :
= عاشق آخر ! أليس كذلك ؟
وكانت نكتة بارعةعلى غيرته الشديدة ، كما كانت زهو الأنثى بفتنتها التي تذهل حتى الشيوخ الفانين . وكانت لها هذه الجاذبية العجيبة حقاً . الجاذبية التي تكاد تتجرد عن الجنس .. لأنالكل يشتركون فيها : الشيخ والشاب ، والرجال والنساء .. حتى الأطفال !
وطالما لحظ مثل هذه الهزة التي انتابت الكمسارى الشيخ ، تنتاب الكثيرينوالكثيرات ممن يلقونها في كل مكان .
لم تكن ممن يحسبهن العرف جميلات . كانتكوينها الجسدي – إذا استثنينا صدرها الفاتن – ليس ممتازاً . ولكن كانت هناك فيوجهها جاذبية ساحرة . كانت خمرية اللون واضحة الجبين ، وفي عينيها وهج غريب تطل منهإشراقة مسحورة . وكان هذا الوهج أشبه شيء بالإشعاع الكهربائي المغنطيسي . ينبعثلحظة حين تشرق وتتوهج ، وينطفيء على التو حين تذبل وتنطفيء . وقد لا يمضي بيناللحظتين إلا مقدار ما تدير زر الكهرباء !
وكانت خطواتها القافزة الرشيقةالخفيفة ، وصدرها البارز الفاتن ، وهذا الإشعاع السحري الغريب ، لا تدع مجالا للفحصعن بقية تكوينها ، ولا تمهل الإحساس للتدقيق في شيء منها .
وكان يحسب نفسهيراها هكذا لأنه يحب ، ثم علم بالتجربة أن الجميع يقفون تجاهها هذا الموقف في كلمكان .
***
وفي الطريق ازدحمت المقاعد بالركاب . وأقبلتفتاة لم تجد لها مكاناً ، فوقفت تترنح وتهتز في الممر الضيق بين المقاعد ، فرأى هوأن يتخلى عن مكانه للفتاة . وبعد برهة لحظ على وجهها تغيراً ، فطأطأ يسألها : ماذا؟
قالت هامسة :
= لا شيء ، إنها جميلة !
قال – وأدرك ما تعني وأحس لهبراحة لذيذة :
= من هي ؟
قالت :
= لا اعرف ، ( وهزت كتفيها في دلالزادها فتنة ) .
قال مداعبا في نشوة عميقة :
= هذه . وإلا الكمسارى العجوز؟!
ولم تستطع أن تغالب الضحك ، فظل جسدها كله يترنج ، وهي تختلس إليه النظرةالضاحكة بين الحين والحين !
***
ودخلا دار السينما ، وجلسامتجاورين ، وهو يحس بسعادة تفيض بها نفسه ، فيود لو يعانق الكون كله ، وتحركت ذراعهاليمنى فطوقت ظهر المقعد ، وانزلقت عنه قليلاً فلمست ظهرها ، واختلجت هي اختلاجةخفيفة ثم استقرت ، ونظرت إليه متوردة راضية ، تمازجها الفتنة والإغراء . ولو كانالنور مطفأ لصنع شيئاً آخر ، ولكن آدابه التقليدية لم تسمح له إلا بنظرة أودعها كلما في قلبه من أشواق .
ثم أطفئت الأنوار ، وبدأت (( الجريدة )) وتحركتذراعه قليلاً ، فسرت في جسده هزة ، ومالت هي إليه قليلاً فصافح شعرها خده ، وأحسبالنشوة فثمل ، وطافت برأسه الرؤى الغامضة في الفردوس النعسان !
وانتهتالجريدة ، وأعقبتها الرسوم المتحركة بمواقفها المضحكة ، فانتفضت ضاحكى كالطفلة ،وهي تتابع القصة في توفز ظاهر ، رده من حلمه المهوّم إلى يقظة طافرة ترقص فيهاالحياة . وأعيدت الأنوار فأحس نقلة عنيفة من عالم إلى عالم ، وفرك عينيه – لا يدريأمن النور المفاجئ أم من النقلة المفاجئة – ثم أغمض عينيه بيديه واستغرق في أحلام !
ثم بدأت الرواية !
بدأت عادية في أول الأمر ، فعاد هو يضع ذراعهفوق ظهر المقعد ، ثم يحركها رويدا رويداً ، ثم يضغط بها ضغطاً خفيفاً ، فتستجيب لهفي بطء ، ينتهي بهما إلى حيث كانا في الفردوس النعسان !
ولكن يا للشيطان !
إن القصة لتأخذ في طريقها ، فتجري حيث تجري قصتها بالذات ! إنها قصتهاذاتها معروضة في شريط!
وأجفل عند الخطوات الأولى ، ولكن ذراعه تحركت حركةغير إرادية فضمتها إليه بشده . ويبدو أنها لم تكن لحظت بعد سبب رجفته ، فاستجابتإليه في لين وإغراء . ولو في غير هذه اللحظة لارتكب الحمقة التي يشمئز منها طبعهحينما تقع عليها عينه في دور السينما خاصة ! أما الآن فهو يصحو على الأشواك !
ولم تكن إلا دقائق حتى توالت المناظر والشواهد واللفتات على الشاشة ، فإذاهما وجهاً لوجه أمام قصتهما في الصميم ! قصتها بكل ما فيها من دروب ومنحنيات ومخاوفوشكوك . قصتهما . وها هي ذي الشاشة تواجههما بكثير من الهواجس والمشاهد التي كانايهربان من مواجهتها في الحياة!
ولم يحاول في أول الأمر أن ينظر إلىوجهها ، ولكنه فيما بعد اختلس نظرة ليري قسماتها أمام هذه المواجهة القاسية ، فإذاهي تختلس إليه نظرة هي الأخرى ، فتقابلت النظرتان ، ثم ارتدتا سريعاً إلى الخفضوالانكسار . وأحس كلاهما بكل ما جاش في نفس صاحبه ، فأدركه الدوار !
وفي هذه اللحظة وجد ذراعه تتراخى قليلاً فترتمي على ظهر المقعد ، ونظرفإذا رأسها المشرئب المتطلع يهوى ويسقط ، ويتخاذل متنها المنتصب ، فيتقوس في انحناء !
وهم ّ أن يدعوها إلى مغادرة السينما ، ولكن ريقه قد جف ، فلم يدرلسانه بكلمة ، واستمر ينظر إلى الشاشة ، وهو يحس الاختناق !
وبينماكانت القصة تسير كانا يحسان شيئاً فشيئا بانفراج الهوة بينهما ، وتقطع الأواصر التيتربطهما ، وفي كل خطوة كان يتكشف لهما المصير المحتوم ، ويشعران أن علاقتهما منخوبة، وأن السوس ينخر في صميمها . وفي نهاية الرواية كانت البطلة قد عادت إلى حبيبهاالأول . وكانت العلاقة بينهما قد انتهت كذلك .
لقد أحسا أن ما تم على الشاشة هوالذي تم في الحياة !
وأضيئت الأنوار فأحس بالدوار ، ووقف يستمع إلىالنشيد الملكي ، بينما كانت لا تزال جالسة في خور ، فنبهها بغمزة فوقفت ، ثم تحركتالجموع للخروج فاندسا في غمار الجماهير ، ونسيا أنفسهما لحظة إلى الباب ، وخرجا منالسينما صامتين ، وركبا الترام صامتين . وعادا إلى الدار في همود .
كانكلاهما يحس أنه لا يجد نفسه ولا يجد صاحبه ، وأن كل سبب بينهما قد انبتّ ، فلم تعدبينهما نقطة اتصال .
وكان كلاهما لا يجد ما يقوله ، ومع هذا كان يود أنبقول شيئاً يقطع به هذا الصمت البغيض ، الذي يثقل لحظة بعد أخرى ، ويخنق أنفاسهماكالتنين . ولكنهما في النهاية لم يجدا كلمة تقال .
كان خطيبها أمامأهلها وأمام الناس ، وكان أهلها لا يعلمون مما بينهما شيئاً ، ولا يجرؤ هو ولا هيعلى مكاشفتهم بشيء ، فكانا يصارعان الكارثة وحدهما ، ويتظاهران بالمرح والسعادة فيجميع الأحوال !
أما في هذه المرة فقد أعياهما أن يتظاهرا بشيء ، بلأعياهما أن يتكلفا الابتسام الذي كان يسعفهما حين يفجؤهما أحد من أهلها وهما فيزحمة الصراع .
ودخلا صامتين هامدين ، يتجسم في محياهما الهم والقنوط .
قالت أمها :
= أعوذ بالله ! ما لكما هكذا مكشرين ؟
وهنا فقطوجد كلمة يقولها :
= لقد كان الفيلم عنيفاً جداً
قالت :
= ولماذاتشاهدان هذه الأفلام الرديئة ، في هذه الفترة الحلوة من حياتكما ؟!
***
الفترة الحلوة !
هنا لم يطق صبرا علىالمواجهة ، وخاف أن تخونه الكلمات ، وأن تفضحه السمات ، فانفلت إلى حجرة النوم . ولم يكن عليه من بأس في أن يرتاد من حجر الدار ما يشاء . لقد كان في حاجة لأنيستلقي ويستريح ، كالرحالة المجهد المكدود في سفر طويل .
لم يخلع ملابسه ،ولم يخلع حذاءه ، فما كانت له بقية من قوة يؤدي بها هذه الحركات . لقد كان حسبه أنيلمح السرير لينحط عليه كالجدار المنهار .
وانقضت دقائق ، ومناظرالرواية أمام عينيه ، بينما ترن في أذنه كلمات الأم الطيبة القلب ، عن هذه الفترةالحلوة من الحياة . وينفلت زمام أعصابه ، فلا يستطيع أن يضبطها لمواجهة هذهالمفارقات .
وفي هذه اللحظة تصل إلى سمعه من حجرة الجلوس نغمة البيانو . إنها تعزف ، إنه لحنه المحبوب ، لحنه المسحور .
لقد سمع هذا اللحن منقبل ، وسمعه كثيرا ، سمعه من تلك الفتاة نفسها ، سمعها تعزفه فاستعاده واستعاده ،وظل يستعيده في نشوة عجيبة ، حتى قالت له في دعابة ساحرة : لن أعيده مرة أخرى إلالقاء أجر معلوم !
لم يكن يعرف اسم اللحن ولا عنوانه ، ولم تكن تعرفه هيكذلك . كان أستاذ البيانو قد حفظها إياه ، دون أن يذكر لها عنوانه . فما قيمة الاسموالعنوان ؟
إن هذا اللحن المجهول كان يستجيش ضمائره ويحرك خواطره ويثيرفي حسه النشوة والحلم واللهفة والانسياب . كان يصور نفسه في تلك الفترة التي لم يكنيعيش فيها على الأرض ، ولم يكن يحس إلا أن الحياة حلم ظافر سعيد .
لقدكان يحب . يحب هذه الفتاة التي تعزف ذلك اللحن وإنها لتعزفه بيدها وقلبها ،وبأعصابها وملامحها . كانت هي اللحن ذاته في صورة مجسمة . ولم تكن قد برزت من بعدتلك الأشواك ..
ثم ها هي ذي تعزفه مرة أخرى ....
وإنه ليسريإلى نفسه رويدا رويدا ، وينسكب في أعصابه رفيقا رفيقا ، وإن نفسه لتهدأ وتطمئن ،وإن أعصابه لتسكن وتستريح ، وإنه ليثمل ، ثم ينتشي ، ثم يرف في جو شاعري شفيف ،وإنه لينتفض بعد لحظة خفيفاً نشيطا ، وإنه لينفلت إلى حجرة الجلوس ملهوفا مشتاقا ،حتى إذا اقترب استرق السمع والنظر ، فإذا هي ، هي حلمه الجميل ، هي حوريته الهاربة، هي .، ولا شيء سوى الماضي العزيز ، والثقة العميقة ، والحب المفتون ... هي .. وإنه ليطوقها من الخلف في لهفة ، فتبدو كأنما ذعرت للمفاجأة . المفاجأة التي كانتتنتظرها ولا شك بغريزتها العبقرية ، غريزتها الفطنة التي توحي إليها في هذه اللحظاتبالذات بالعمل المفرد الوحيد ، الذي يجدي في مثل هذا الأوان .
هي . وقدوجدها . ووجد نفسه ، ووجد فيها ما يقال .
وإن الحب ليعود اللحظة يحلم ،وإن الحياة لهي في هذا الحلم الظافر السعيد !
.
.. العاصفة ..
جاءفي اليوم التالي وفي نفسه شعور آخر . لقد حدث أمر جديد . لقيه صاحب له ، وهو زميلللضابط الشاب ، فقال : إنني سأحدثك في شأن يهمك واغفر لي تطفلي عليك ، فأنا أؤديواجبي الذي أراه .
ولفتته هذه المقدمة ، وتوقع شيئاُ . قال :
= متشكر . قل ما تريد .
قال :
= لقد عرفت أنك خطبت فتاة من الروضة ؟
قال :
= نعم !
وأحس بشيء من الانقباض .
قال :
= إن لم تكن كتبت كتابك ، فأحب أنأطلعك على شيء !
وشعر بما يشبه العرق البارد . وقال :
= لا . لم أكتب كتابي . فقل ما تشاء !
قال : أنا أعرف أن هذه الفتاة صديقة زميل لي اسمه (( ضياء )) ..
وتكلف قلة المبالاة فقال :
= كيف علمت أن هذه هي تلك ؟
قال :
= لقد رأيتها معك أمس في السينما ، وكنت قد رأيتها معه من قبل في المعسكر ، فلماسألته عنها اليوم قال : إنك خطبتها ، ولأن لي بك صلة ، رأيت من الواجب علي أن أخبرك !
قال ببرود ظاهر :
= متشكر ....
وتركه .... ومضى !
***
العجيب أنه لم يشعر في هذه اللحظة بالألم المنتظرلمثل هذا البلاغ ! لقد خيل إليه أن الأمر انتهى فيما بينه وبينها . أحس أن ليس هناكما يربطه بها . نسى الماضي كله في لمحة ، وقرر أن تقف صلاته بها عند هذا الحد ، ولميشعر بأسف كبير على هذا القرار .
قال : انها رخيصة لا تستحق كل هذا الاهتمام ،وإنها إحدى فتيات الجيل اللواتي يعرفن هذا الشاب وذاك ، ويعبثن هنا وهناك ، عبثاًبريئاً أو غير بريء ، ثم يجدن في النهاية الزوج المطلوب ! إنها فاتنة – ولا شكولكن ما يعنيه هو من الفتنة ، وهو لا يريد العبث بها ؟ لقد أرادها له زوجا ، لأنهحسبها شيئا ثمينا عزيزاً ، لا تتداوله الأيدي ، ولا يُحصل عليه إلا من هذا الطريق ،فقرر أن يغالب ظروفه الخاصة ، وأن يحظى بالكثير ليحصل على هذا الشيء الثمين .
أما الآن ......!
ووجد نفسه يأخذ الترام إلى هناك ، ليُنهي الأمر فييسر وسهولة ، وبلا كبير اهتمام .. وظل هذا العزم قويا في نفسه حتى واجه الدار . وهنا أحس بالصراع !
ولو واجهته في هذا اليوم كما واجهته صباح يومالاعتراف ، ولو نظرت إليه عندما لقيته نظرة الأمن والاستسلام .. لوضعت حدا حاسمالهذا الصراع ، ولعادت إليه ثقته المفقودة ، وإعزازه العميق . ولكنها لقيتهُ جامدة ،وابتسمت ، ولكنها ابتسامة سطحية ، وأجلسته في حجرة الجلوس ، ثم غابت عنه بعض الوقت، وجاءت أمها فسلمت عليه متهللة ، فلم يبادلها التهلل إلا بتكلف وعناء . ثم جاءت هيأخيراً ، ومعها الشاي ، وعرف أن غيبتها كانت لهذا الغرض ، إلا أن ذلك لم يسكب الرضىفي نفسه ، ولم يشعره الارتياح .
وخيم على الموقف جو من الكمد ، لم يخففمنه ما كانت تحاوله الأم من ترحيب به واهتمام .
وأحس أنه مطعون فيكرامته ، وجال في خاطره إحساس التعالي على الموقف ، ونفض يده منها ، كرد حاسم علىاتجاهها مرة لسواه !
وكانت الأم قد انصرفت لشئون المنزل ، فقاده هذا الخاطرالشرير أن يقص عليها قصة الصباح ...
وفي نهايتها . كانت كالتمثال الشاخص . قالت في لهجة آلية :
= والآن لا يجوز أن تشقى بي ، وأن تهان من أجلي ( وخلعتخاتم الخطوبة ووضعته برفق على غطاء البيانو )
قال ، وقد عاوده الإشفاق والإيثار :
= هل توافقين اليوم على ما عرضته عليك من قبل : أن أخبرهم بما يريد خطيبكالسابق ، وأن أمهد له الطريق ؟
قالت .. في استسلام :
= افعل ما تراه .... كله عندي سواء !
***
وبعد قليل حضر الوالد ، فأحس أنهناك شيئاً . وسأل : ما الخبر ؟ ... ومع أنه قد قرر كل شيء ، إلا أنه أحس بالعجز عنمصارحتهم بالموقف هكذا فجأة . فراح يحاول من بعيد .....
ومع ذلك لم يذكر إلا أنهناك ظروفا خاصة لا تجعل من الممكن أن يرتبطا ، وأنه قد تفاهم مع (( سميرة )) علىإنهاء كل شيء في سكون ، وأنه وحده يحتمل تبعة هذا الموقف ، وهي بريئة مما صارت إليهالأمور !
ولم يكن هذا الإجمال ليرضي أحداً ، فالمسألة جد ، والناس قد عرفوا، وموعد العقد قريب . وثارت الأم ثورة عصبية عنيفة .. لم تتمالك فيها أعصابها ولالسانها . وانقلبت هذه السيدة الطيبة الوديعة من حال إلى حال . قالت له : لقد قالالناس من قبل عنك أنك لست جاداً في رغبة الزواج ، وأن ظروفك الشخصية تمنعك ، ولكنالم نصدق . وها أنت ذا تسبب لنا فضيحة !
وأحس لهذه الكلمات بوخز الطعنات ،ولم يخفف من وقعها . ما حاوله أبوها من الهدوء وضبط النفس والتجمل والاعتذار عنزوجته بمرضها وعصبيتها .
وحاول هو أن يدافع عن نفسه ، فيفشي السر الذيأودعته الفتاة صدره ، ولكنه تراجع حينما سمعها تنشج في الحجرة المجاورة ، وتذكراستسلامها وتهالكها . وفجأة برزت من باب الحجرة في اندفاع جريء تقول :
= ياماما . الذنب علي أنا ، وهو لا ذنب له ، فلا تشتميه !
وكأنما صُب علىالحريق الهائل ماء بارد . فتخاذلت الأم لحظة ، وبهت الوالد وحملق في الفتاة .
أما هو فارتجت نفسه كلها ارتجاجاً ، واندفع في حماسة يقول :
= لا .. لا .. لا تصدقوها . إنها بريئة . وأنا وحدي المسئول !
وهنا ضحك الوالد ضحكةمريرة ساخرة وقال :
= ما هي الحكاية ؟ قولوا لنا . هل نحن في مسرح تمثيل ؟
قال هو :
= دعونا ننفرد ، لننهي أمرنا معا بعد قليل .
ولمينتظر إذنا منهم، فقد كانوا جميعا مذهولين . واندفع إلى حجرتها التي اعتكفت فيها ،فوجدها لا تزال تبكي ، ووجد في نفسه تغيرا ظاهرا ، فحاول أن يربت عليها ، وأنيشملها بعطفه الذي تجده منه في مثل هذه الظروف . ولكنها كانت جريحة . قالت له :
= لا تحاول شيئاً . لقد انتهى كل شيء . قل لهم الحقيقة ، لقد ضقت صدراً بهذاالنفاق الذي نحاوله ، ومن حقهم أن يعلموا .. ولقد كنت أعددت رسالة أطلعك فيها علىأنني لا أجد نفسي ، ولا أتبين اتجاهي ، وأنني أحس بثقل ساحق على ضميري ، وأنا أقفكهذا الموقف ، دون أن أخلُص لك في هذه الفترة من الصراع . ولأنني لم أقو على أنأقول لك هذا كتبته لك في رسالة !
ولكنه تمالك فقال :
= وأين هي الرسالة؟
قالت :
= لقد قلت لك كل ما فيها .
قال :
= أحب أن أراها مكتوبة .
فترددت هنيهة ، ثم دفعت إليه برسالة مطوية كانت تدسها في صدرها ، وجلست بعيداعنه ، بينما راح يفض الرسالة ويقرؤها ، وتتوالى على سيماه أشتات من الانفعالات حتىأتى عليها جميعا . ثم دسها في جيبه دون أن تعارض في إبقائها له .
***
كانت الرسالة هي اعترافها الأول مكررا ، ولم يكنفيها جديد . ولكنه أحس بنكأة في الجرح ، ربما كانت أشد من الجرح نفسه : (( إنك بريءونبيل ، رجل تشرف أي فتاة بأن يكون تاجاً لحياتها ، ولكنني أنا . أنا بنت شريرة (( ملوثة )) ، وأنت مخدوع في قيمتي ، فيجب أن أنبهك إلى أنك مخدوع ... الخ )) .
وجرحته كلمة (( ملوثة )) جرحاً شديدا . ومع أنه كان يعلم ماذا تعني بها ،إلا أن معناها الرديء قفز في هذه اللحظة إلى خاطره فأحس بالطعنة الرجيعة .
قال :
= والآن .. يا فتاتي العزيزة .. ماذا تريدين ؟
قالت :
= لا أرى إلا رأيا واحدا . قل لهم كل شيء ... وليكن ما يكون !
قال :
= ولكننيأخشى العاقبة ، ولا تطاوعني نفسي على أن أفشي لك سراً .
قالت في اندفاع :
= إنني انا التي تريد
وخيل إليه أنها تريد بهذه الفرقعة أن ترتد إلى حبيبهاالأول . وأن تنيبه هو عنها في مصارحة أهلها بحقيقة الحال ، وأنها قررت في نفسهاأمرا . وهنا ثارت كوامنه ، وارتد إليه شعور الصباح ، وفقد كل تسامح ورحابة . وكانمظهرها في اللحظات الأخيرة يشبه أن تكون متهللة بالموقف الأخير ، فكان كل أولئكمدعاة لأن يغادر الحجرة إلى حيث ينتظره الجميع .
***
ومعأنه ترفق في كشف الموقف ، وتجنب مواضعه المحرجة ، وجاء للموضوع من جانبه البريء : جانب خطبة الفتى الضابط للفتاة ، ثم تحمس في الدفاع عن موقف شاب وشابة يتحابان ....
إلا أن المفاجأة كانت أشد مما تحتمله أعصاب الجميع .
ثارت العاصفة ،وانقلب البيت على الفتاة وانتبذت هي من وجوههم مكانا قصياً .
أحس الوالدأنه طعن في شرفه وكرامته ، وأحست الأم أنها تواجه الفضيحة ، وتخسر رابطة وشيكة . وران على الأطفال ذعر صامت وهم يرون ولا يعلمون ! ولم يبق إلا هو ، يدافع عنها فيحرارة ، وينفي ما علق بذهنهم عنها من انحراف !
ثم خيم على المنزل صمت كصمتالقبور ، وانزوى كل في ركن لا ينبس بحديث .
وتقدم الليل ، وهم بالرواحكالمعتاد ، فأمسكت به وجلة ، وتوسلت إليه أن يبقى حتى الصباح . قالت : لمن تتركنيهنا ؟ إنني منبوذة غريبة كما ترى ، وليس لي أحد سواك . لا هنا .. ولا في الدنياكلها .... قل : إنك لن تتركني ولن تروح !
ولم يكن في حاجة لكل هذا التوكيد . لقد كان هو أشوق منها إلى تمضية كل دقيقة بجانبها . كان في نفسه مشاعر غريبة : شعور العطف والإشفاق ، وشعور اللهفة والحرمان ، وشعور الغيرة والغليان ، وشعورالتسامي والإيثار ، وما لا يحصى من هذه الأحاسيس مجتمعات .
وكان كل من فيالبيت مستريحا لأن يقضي ليلته هناك . كان هو الصلة الوحيدة بين نفوسهم جميعاً ،بعدما قطعت الصدمة كل ما بينهم من الصلات .
***
باتيسمع أنفاسها في الحجرة المجاورة ، فلم يكن بينهما سوى حائط رقيق فيه باب مفتوح ،وكان يسمع تنهداتها في جوف الليل ، ويكاد يسمع وقع دموعها في سكون الظلام !
وكان يراها قريبة منه جداً ، بعيدة عنه جدا . كان يراها ملء يديه ، ثم ينظرفإذا يداه منها فارغتان !
وأوقد المصباح في جوف الليل ، وراح يكتبشعراً :
بيني وبينك خطوة :::: لكن عوالمنا بعيد
ويداي فارغتان من :::: كنز به غنيَ الوجود
ثم تغالبه دموع قاهرة ، فيطفيء النور وينكفيء فيسريره يغالب الدمع ما استطاع .
وفي الصباح كانت غائرة العينين ، صفراءغبراء ، كأنما انسلت من مقبرة . وكان مسترخي الجسم مهدودا .. مكدود الأعصاب .
قالت :
= كيف قضيت ليلتك ؟
قال :
= كما قضيت ليلتك !
قالت :
= يرحمنا الله !
ثم اتجهت إلى مرافق البيت ، وبعد قليل جاءت تدعوه . قالت :
= لقد سخنت لك ماء لتغسل وجهك ورأسك ، فإنك لمجهد ، والجو شتاء ، وللماءالدافيء قيمته في مثل هذه الأحوال ... اقترب أصب لك الماء !
ولكنها لم تدعهيغسل وجهه ورأسه . لقد دبت فيها حيويتها الكامنة من خلال الذبول ، فراحت تدعك لهعينيه بالصابون ، وتدس أصابعها في شعره تخلله ، وإنها لتقول في دعابة ساحرة :
= لتكن انت ابني اليوم ، كما كنت بنتك بالأمس يا أبتاه !
فشل في لإقناع أهلهابالرأي الذي ارتآه ، وهو يستروح في هذا الفشل ريح الانتصار ، وفشل في إقناعهمببراءتها التي عادت له فيها ، وفشل في استعادة الرضى عنها بطبيعة الحال ، واستمرتتلقى منهم الوخز والإعراض ، وتسمع منهم الغمز والإيلام ، وتجد نفسها بينهم في غربةوإذلال ..
قالت له :
= لقد وقع ما كنت أتوقع ، ولست صلح لك الآن رفيقةحياة . أحس في أعماق نفسي أنني لست في مستواك . ولن ألحق بذلك الآخر لأن كرامتيتأبى علي هذا ، كما يأباه شرف هؤلاء الساخطين ! ولن أنتحر لأن الانتحار جبن وعار . ولن أطيق الحياة في هذا البيت بعد الآن !
قال :
= وماذا اعتزمت إذن يابنيتي ؟
قالت متألمة :
= لن اعدم وسيلة للحياة الشريفة . سأشتغل خادمة فياحد البيوت . وإنني لماهرة في التدبير المنزلي كما تعلم !
وأحس بنفسهتتذاوب عطفا عليها ، وألما لها ، ووجدا بها .
وقال :
= لقد نسيت أن لك بيتاآخر ، يرحب بك ضيفة لا خادمة
قالت وهي تهتز من الانفعال :
= كلا ! .. إنقبلتني خادمة ، فخذني إليك منذ الآن !
ضمها إليه في رفق ، وربت عليها فيعطف ، وقبل جبينها في حنان ، وقال :
= كلا يا بنيتي .. بل – إذا سمحت – رفيقةحياة .
قالت مغالبة النشيج المكتوم :
= أ و تقبلني بعد كل ما كان ؟ ( واستسلمت للبكاء )
***
لبس ملابسه وخرج مع والدها .
وقال له الوالد بعد أن غادرا الدار . وكأن حادث الأمس كان كابوسا انتهى ،فعاد كل شيء جديداً :
= دع كل هذا الهراء الذي تقوله (( سميرة )) والذيتقوله أنت أيضاً . إننا ننتظرك في موعد الغداء !
قال :
= لا أستطيعالغداء ، فلا بد أن أعود إلى الدار ، فالبيت مشغول على مبيتي الذي لم أتعوده . ولكنني سأحضر آخر النهار .
وعاد فوجد اتفاقاً بين الجميع على تناسي العاصفة، وعلى أن تسير القصة كما كانت من قبل تسير . وعاد للفتاة إشراقها ، وبدت كالناقهةمن وعكة ، تستنشق نسيم الحياة في لهفة وارتياح . وأحس انها خلصت له بعد هذا الإعصار، وأن جرحه الذي أدمته الأشواك قد اندمل وطاب . وخيم على الجو نوع من الود العطوفوالطيبة النقية والسلم والوئام ! .
أنثى ...
باتت سهراته ليلية في دارهم ، فما كان يستطيع مقاومة الإغراءالذي يقود قدميه كل يوم إلى هناك . ولم تكن كل أويقاتهم صفواً ، منذ أن برزت فيحياتهما الأشواك ، ولكن شيئا لم يكن ليستطيع أن يقف هذا التيار الجذاب .
كان ينتظر الموعد اليومي ملهوفاً ، ويذهب إلى هناك فيجدها كذلك ملهوفة . وقالت له في يوم تأخر عن موعده : (( كم خفت ألا تأتي الليلة . إنني هنا غريبة بينأهلي ، بل غريبة في الحياة كلها حين لا أراك ))
وكانت غريبة حقا . فأهلهاجميعاً طيبون نفوسهم بعيدة عن التعقد والتركيب ، وهي عقّدتها الأزمات النفسيةوالأشواك ، وعقدتها صحبته ومناقشاته ، وعقدتها القراءات التي كان يزودها بها ويحضهاعليها ، وعقدتها التوجيهات النفسية التي كانت تتلقاها عنه وهما في السينما أو فيغير السينما .
ولم تكن هي الغريبة وحدها في هذه الدار ، فلقد كان هوأيضاً غريبا فيها ، فإذا غابت عن المجلس لحظة شعر بالفراغ ، وكثيرا ما كان هووإياها يشعران بالوحشة في حضرة هؤلاء الناس الطيبين فينسحبان إلى حيث ينفردان! .
وافتقدها ليلة فقام يبحث عنها في حجرات الدار . ودخل حجرة النوم ... وكانت مفاجأة .
مفاجأة لن يتهيأ لها من قبل أبداً .
كانتالليلة مقمرة ، وللحجرة نافذة يطل منها القمر ، فيضيئها ذلك الضوء القمري الشفيف . وكانت واقفة دون أن توقد المصباح اكتفاء بهذا الضوء الفضي الشفيف . كانت واقفةبجوار السرير تبدل فستانها وحينما دخل الحجرة كانت قد خلعت ولم تلبس ... ووقع نظرهللمرة الأولى عليها بالملابس الداخلية ... وكانت لحظة رهيبة ! .
كانتتربيته الأولى في بيئة محافظة متطهرة ، وكان قد انصرف في حياته إلى نوع من الجد لايسمح له بالعبث ، وكان الشعر والفن قد صانا خياله من التلوث ... وكان هذا كله يبعدهعن المرأة ، ويصيبه بلون من الربكة والاضطراب حين يلقاها وجها لوجه أيا كانت طبقتهاوسنها .
فلما وُوْجه بالفتاة التي يحبها ، شبه عارية ، كان ذلك مضاعفاًلخجله وارتباكه . ولكن عينه تقع على منظر فاتن في ضوء القمر الشفيف ، ولليل المقمروجوه ، وللوحدة المغرية جوها . إنما هو في الوقت ذاته يشعر لهذه الفتاة بلون منالقداسة ، وهو كذلك غير مستعجل ولا متسرع ، فهي له ، وستصير كلها إليه .
.... كل هذه النوازع المتشابكة في لحظة واحدة جعلته يقف برهة مسمراً . ألفجاذب يجذبه إلى الإقدام ، وألف دافع يدفعه إلى الإحجام . وبوغتت هي فارتبكت كذلك ،وبدلا من أن تلبس الفستان الثاني ، انكفأت على نفسها ، وطأطأت رأسها ، وحنته علىصدرها ، فكانت في وضعها الجديد أشبه بتمثال فاتن في وضعه الفني الجميل !
وأخيراً غلبه ماضيه كله فتراجع ، وهو يتمتم : لا مؤاخذة ...!
***
ومضت فترة طويلة لم تعد فيها إلى المجلس ، وقدمبعض الزائرين والزائرات من أقاربهم ، وهم كثيرا ما كانوا يحضرون هذه الليالي ،استطلاعا لحال الخطيبين ! .. فلقد كان الحسد العائلي والفضول النسوي يدفعانهمللحضور . فتضيع الليلة في تكلفات سخيفة وأحاديث تافهة ... ثم ينصرفون .
حضروا ، فساد المنزل جو غير جوه . وأحست هي أنهم قد حضروا فقدمت بعدقليل ، ولكنها قدمت باهتة منطفئة ، يغشاها شيء من الانكسار .
وعجب هو لهذهالظاهرة ، وعزاها إلى أنها خجلة مما كان ! .. وجلس متضايقاً ، فسرى الضيق منه إلىالآخرين . وبعد فترة همّ بالانصراف تخلصاً من ثقل الجو ، فبدا على الزائرينالارتياح ، لما أحسوه من ضيق لا يبشر بخير !
وأمسك به أبوها وأخوها ،وتشددت أمها في دعوته للبقاء . ونظر إليها هي فلم يجدها تدعوه ليبقى ، فلم يستجبللدعوة ! .. وعندما وضعت يدها في يده وهو ينصرف أحس ببرودة روحها وفي أناملها أيضاً .. فخرج ضيق الصدر مغموماً !
***
ومضى يوم لم يجد في نفسهنشاطا ولم يذهب للزيارة كالمعتاد . وفي اليوم التالي كان جالسا في مكتبه كالعادة ،حين رن جرس التليفون ودعى للكلام .
قالت :
= أنت اليوم تعرف صوتي ولا بد !
وتهلل وجهه ، وانتفضت كل ذرة فيه ، وأجاب :
= طبعاً ، لقد حفظته !
قالت :
= ألا تحضر حتى تستدعى بالتليفون ؟
وارتبك لحظة ثم أجاب :
= لا .. كنت متعبا في ليلة الأمس
قالت :
= متعب أو غضبان ؟ أظنك ستأتي الليلة على كلحال !
قال :
= طبعا سأحضر الليلة كعادتي !
وسلمت وسلم ، وانقطع الحديث، وانطلقت في كيانه موجة من النشاط .
***
وفي المساءكان يقصد إلى الدار ، وليس في خياله إلا صورتها المرحة الوثابة ، وإلا صوتها الشجيالطروب . واستقبلته متهللة ، وقبل أن يجتاز الممر وراء الباب – وكانت يدها لا تزالفي يده
قالت :
= كنت الليلة خائفة ... ولكم تمنيت لو تجيء في الظلام !
وأحس أن الدنيا لا تسعه من الفرح ، فضغط يدها بحراره ، فتأودت وهي يشد يدها فييده ، وبدت فتنة جارفة لا تحتملها الأعصاب !
وانطلقت بعد قليل إلىالبيانو توقع عليه اللحن المسحور ، فغمرت روحه نشوة عجيبة ، وانسربت خواطره تراودأحلاما ذهبية ، وأحس بسعادة تضيء روحه بنور وهاج ، وتحلق به في واد من التيه بعيد .
وبعد أن استعادها مرة ومرة ، على عادته كلما سمع اللحن المسحور ، أعلنتفي دعابة ساحرة أنها لم تعيد العزف ، ونهضت واقفة وانفلتت من الحجرة كالحوريةالهاربة . أو كالغزال الشرود . وكان معه في الحجرة أبوها وأمها وأخوها الشاب ،ورآها تذهب نحو مرافق المياه ، فتظاهر بعد برهة بأنه ذاهب إلى المرافق – وكانت لهالحرية في أن يذهب ويروح حيثما يشاء – وكان يفصل المرافق عن الحجرات ممر طويل ضيق ...
وفي منتصف الممر قابها راجعة . ولا يذكر أنه رآها كما رآها هذه الليلة . كانت متوهجة يخيل إلى الرائي أنها تتوقد ، كما يخيل إليه أن كل نفسها منافذ ،تتلقى منها الأضواء والأصداء ، وتشع منها الطاقة والحرارة ! .
ونسي المنزلومن فيه – وهم على مقربة منهما – وراح يضمها إليه في شوق عارم ، ويهوى على شفتيهافي لهف حرور ، وأحس انها تتذاوب فيه ، وتتفانى بكاملها ، وأنها تستجيب له بكل ذرةفيها ، وأنها تتلاشى وتتداخل وتتهاوى .
ومضت فترة لم يكن يعي فيها شيئاً ،ولكنه لا ينساها أبداً !!! مضت هذه الفترة ، وإذا هي تثني جيدها إلى الوراء وقوامهافي يديه ، فتواجهه بنظراتها الجاهرة ، وتقول في دعابة ساحرة :
= الرجل وراءنا ! والله أناديه !
ولم يكن يملك إلا أن يضمها إليه في عنف ، وهي تسكب في نفسه أحلىرحيقها المذخور بهذه النظرة وتلك الفتنة .. ثم تملصت منه ، وانفلتت تجري ... وعادهو إلى الحجرة نشوان ولكنه تعبان ! عاد فجلس ، ولم يلحظ أحد منهم عليه شيئاً ، ولوتنبه أحدهم إلى عينيه لرآهما تقطران نشوة وسكرا .
***
وغابت عنهم فترة طويلة ، ثم عادت وقد هدأ كل هذا النشاط ، وسكنت كل هذهالفورة ، وبدت مطفأة خابية .
وصدمه هذا الانقلاب صدمة عنيفة . وخيلت لهأوهامه أن هذا ندم منها على ما وهبت له ، وأنها لا تزال تعد نفسها لحبيبها الأول ... كانت كل معرفته بالمرأة من الأوراق ....!!!
ووجم ، وثقل عليه الجو ،فشاع في المجلس كله الوجوم ، وبخاصة وقد تقدم الليل ، وداعب عيونهم النعاس .
وانتهز فرصة انفرادهما بعد قليل في الممر ، فراح يفسد كل شيء قال لها :
= يبدو انك نادمة على ما أعطيت
وهزت رأسها : أن نعم .
فلم يحاول أن يفهمإلا أنها تعني ما تقول !
قال :
= تريدين أن تكوني له خالصة !
وجرح هذاكرامتها ، فلم ترد أن تتقهقر .
قالت :
= أي نعم !
وغاظه ذلك جداً . ولميحاول أن يفهم غلطته في سوق هذا الحديث إليها الآن .
قال:
= لن أعيدها مرةأخرى .... اطمئني !
قالت في برود :
= تحسن صنعاً !
وأفلت منه قياد نفسه، ولم يعرف كيف يدير الكلمات ، قال :
= لا يزال أمامك أن تختاري . فالفرصة بعدلم تضع !
وتظاهرت بعدم المبالات . وكانت عادتها حين تجرح كبريائها . وقالت :
= والفرصة أمامك كذلك لم تضع ، وتستطيع أن تتصرف بكامل حريتك !
وهنافقط أحس أنه أخطأ في إدارة الحديث من أوله ، وأنه استجاب لهواجسه التي لا زالتتختلج في ضميره ، وأنه دفع بها إلى مكابرة لا مفر لها منها .
فقال :
= لندعالحديث الآن ..
وعاد إلى الحجرة يستأذن للخروج . ولم تحضر هي لتسلم عليه .. فدعتها أمها ، فحضرت متثاقلة ، ومدت إليه يدها باردة فسلم وانصرف وملء نفسه ظلام .
.. العذراء الأم ...
.... عادإلى داره موحش النفس مظلما كئيباً ، تجثم على صدره الكآبة ، ويغشى نفسه الوجوم ... وفي أعماقه سؤال غامض لا يسمح له بالظهور والوضوح : تراه أخطأ طريقه في هذا المشروعكله ؟ وأن هذه الفتاة ليست له ، لا هي ولا فتيات القاهرة جميعا ؟ إنه يتطلب في فتاةأحلامه مفارقات لا تجود بها الحياة . يتطلب الحورية القاهرية المغمضة العينين . يتطلب الفتاة العذراء القلب والجسد ، في زي قاهري ، ويتطلب فيها الحساسية المرهفةوالشاعرية المتوهجة ...
ومع هذا كله طيبة القلب وصفاء الروح .،!
تراهأخطأ الطريق فطلب الحورية العذراء في بنت من بنات القاهرة . أم تراه أخطأ الطريق منأوله ، فطلب حياة زوجية لا تصلح له بحال ؟
وفي مثل هذه الهواجس ، التي كانيصاحبها في نفسه .. هم ثقيل وهمود كئيب .
قطع الطريق الطويل بين دارها وداره، حتى إذا وصل لم تكن فيه بقية من النشاط للصراع والتفكير فاستلقى مهدودا فنام ! .
وأصبح الصباح فإذا هو يجد له نفسا جديدة غير التي نام بها . لقد صحا وفينفسه صفاء هاديء وصوفية شفيفة ... إنه يعطف على الفتاة عطفا هادئا رفيقا . لقدصارعت أشواكها وقاومت ماضيها ، ولقد ألقت بنفسها بعد هذا كله إليه ، مجردة من كلستار ، عارية من كل رداء . وبالأمس ألقت بنفسها كلها إليه ، واستسلمت لأحضانه .. أنثى كاملة تستسلم للرجل الذي تختاره ، فما باله لا يزال بعد هذا كله يذكرهابالأشواك ، ويحيطها بالشكوك ، ويحرجها بالاتهام ؟ لها الله ! .
وأحس عندئذبالصفاء الهادئ يفارقه ، وبالصوفية الشفيفة تتخلى عنه ، وأجدّت له هذه الخواطر شوقاجارفا شديدا ، ورأى نفسه يعبر عن هذا الشوق بشعر حار ملهوف
وحينما جاء موعدهاليومي كان قد أنفق كل رصيده من الصبر ، فانطلق إلى الدار ترف كل جوارحه هوى إليها، وصعد السلم قافزا لاهثا . فلما كان أمام الباب وقف يلتقط أنفاسه قبل أن يضغط زرالجرس ....
وجاءت الخادم ففتحت الباب ، وبيدها الطفل الصغير – أخو الفتاةوكان يحبه حبا جما لخفة دمه ، ورشاقة حركته ، وحلاوة حديثه . وكانت الخادم خارجة بهللرياضة في منتزه قريب .. فتناوله بكلتا يديه ، وقبله قبلة حارة عنيفة ! ثم سأله عن (( سميرة )) ،
فقال الطفل في شيء من التخابث :
= عايزها ؟
= أيوه
قال :
= كانت تبكي ...
ولا يدري كيف استقبل هذه الكلمة ؟ تألم لهاما في هذا شك . ولكنه شعر بارتياح غامض .... تبكي ؟ إذن في نفسها من حديث الأمسبقية . وإن بكاءها ليؤلمه ، ولكن أوَلا يدل هذا على أن المسألة في نفسها باتت جداً، وأنه يؤذيها ما يثور في نفسه حولها من شكوك ؟
وتنبه لهذا الشعور في نفسهفعده شعورا أثيما ! .. أوَ يريحه أن تتألم الفتاة لمجرد استيثاقه أن الأمر بينهماقد صار جدا ؟! ثم يزعم أنه يحبها ؟ يحبها أو يحب نفسه ؟ ومع ذلك يصف نفسه بالإيثار !
وبينما كانت هذه الخواطر تجول في نفسه كان يندفع في الدار منادياً :
= سميرة .. سميرة .. أين انت يا سميرة ؟
ولقيته أمها فسلمت عليه ، وفيقسماتها شيء من الانكسار ، ونادت بدورها عليها :
= سميرة .. تعالي .. إنه جاء !
وأحس من هذا أن عدم مجيئه اليوم كان متوقعاً ، وأنه قد دار بشأنه حديث . وعاوده الشعور المبهم المختلط .... وأقبلت سميرة .
ونظر فإذا هي مكدودة ،تغيم عليها سحابة من الأسى . ولكنه قد حضر برصيد نفسي ضخم من الحماسة والطلاقة . فراح يجلو هذه الغاشية بنشاطه وطريقة حديثه والتفاتاته وحركاته ، واستجابت الأملهذا فبدا عليها الانشراح . أما هي فكانت في نفسها بقية لا تزال ، ولكنها كانت خيرامما لقيها أول مرة ...
وطلب منها أن تعزف له دوره المحبوب ، ولكنها تمنعتحتى كادت أمها تغضب ، فاستجابت لها ، وكان عزف هذا الدور يكفي لإحداث جو آخر .
وخرجت الأم – وقد راقها الجو الجديد – لتشرف على الشاي والفاكهة !
ولما اختلى بها قالت له في رزانة :
= يا سامي . إنك مظلوم معي . ومنواجبك أن تبعد عن طريقي . إنه مليء بالأشواك !
وحاول أن يطمئنها بشدة ، فأخذيدها بين يديه وضغطها مربتا وقال :
= أرجو يا سميرة أن تغفري لي اندفاعاتي ،فأنا رجل جرح مرة ، فدعي لي فرصة تندمل فيها جروحي ، كما تركت لك فرصة تنتزعين فيهاأشواكك .
وأدركت ما في لهجته من صدق وعمق فقالت :
= معك حق .. معك حق .. ولكنني مع هذا بدأت أخاف !
قال لها في توكيد ظاهر :
= لا .. لا تخافي .. ثقيأنني أثق بك في أعماقي .. وإلا ما وجدتني بجانبك إلى هذه اللحظة .
قالت :
= سأقول لك الحق : أنا مجرمة.
عندئذ فاضت نفسه رقة لها وعطفا عليها ، وراحيطمئنها على ثقته بها ، ويبرئها مما ترمي به نفسها . وبعد فترة على هذه الوتيرة منالحديث ، عاد إليها اطمئنانها ، وارتدت إليها بشاشتها ، وتوهجت عيناها بذلك البريقالجذاب العجيب ، وخيل إليه أنه غسل ما في نفسها وغسل ما في نفسه ، وأنهما يرفانطليقين في سماء الحياة .
وكان الليل قد أقبل ، وخيم الظلام على الحي – فقدكان ذلك في عهد الظلام التام أيام الغارات – ولم تحضر الخادمة بالصبي .
وبدأ قلب الأم يقلق ثم أخذت تتساءل عن سبب غيبة الصبي والخادمة ... ولم يمضوقت طويل حتى انقلب التساؤل حيرة .. وتطورت الحيرة لهفة ، شملت الأم والفتاة ،وشملته معهما بطبيعة الحال .
وحين بلغت الثامنة ولم يعودا انقلب الجو إلىقلق لا يطاق ، وسيطرت المخاوف لسوداء على قلوب الثلاثة ، ولم يبق شك في أن حادثاسيئا وقع للصبي والخادمة ، أو للصبي وحده ، فخافت الخادمة أن تعود .
وفيمثل هذه الحالات تصنع المخيلة أوهاما متلاحقة تخلخل الأعصاب .
وكان عليه هوأن يتماسك ليمسك بالمرأتين في حالة معقولة ، ولكنه في قرارة نفسه كان يحس بالخطرفقال :
=سأخرج للبحث عنهما في الطريق إلى المتنزه .......
ووجد من أعينهماتصديقا حارا على الاقتراح ، فخرج ، وراح بقطع الطريق إلى المتنزه متلفتا محدقا فيالظلام ، متمنيا أن يعثر على الصبي الذي يحبه ، والذي تحبه فتاته كأمها على السواء .. ولكنه عاد بعد أن قطع الطريق مرتين دون أن يعثر عليهما .
وكانت عودتهنذيرا بانطلاق الأوهام السود التي كانت تصدها الأم ، ولا تعترف لها بالوجود .
قالت :
= انتهى ولدي . اسم الله عليك يا سوسو ! .. وانهل دمعها المكبوت ،فشرقت مثلها الفتاة بالدموع ، وبدا في عينيها ألم جازع مفزوع .
ووجد نفسه يقول :
= لا لا .. لا قدر الله . ومع ذلك – فمن باب الاحتياط – سأذهب إلى قسمالبوليس للسؤال !
وكان مجرد ذكره للسؤال في القسم كافيا لتثبيت مخاوف الأموتأكيدها ، فصرخت صرخة خافته :
= ولدي ......
وقالت الفتاة في وله جازع :
= أروح معك !
وتجاذبته – في لحظة – عوامل شتى : خوفه عليها من الخروج وهيعلى هذه الحال ، وخشية عليها من الصدمة لو كان هناك شيء ، ورغبته الجارفة في أنتكون معه ، وشعوره العميق بلذة هذه الصحبة أيا كانت الأحوال !
وقال :
= الدنيا ظلام .. وأنا أقوم بما تريدين .
قالت في لهفة مجنونة :
= لا لا .. أروح معك ..
وانطلقت معه بملابسها المنزلية لم تغير شيئا ، وانطلقا إلىالشارع يجوسان خلاله في خطوات متعثرة ، وكان في الطريق أكوام من حجارة الرصف هناوهناك ، يتعثر بها المارة في الظلام ، وبين خطوة وخطوة كانت تعثر ، فتضع كفها علىكتفه اتقاء للسقوط ، فيحس لهذا بلذة خفية لا يحجبها قلقه على مصير الصبي ! .. ثمتقوم في نفسه معركة كلما أحس هذه اللذة الخفية في وسط الآلام التي تستشعرها الفتاة !
وقطعا الطريق في خط متعرج بين طوارى الشارع ، يتفرسان في الوجوه والأجسام، كلما رأيا أشباحا في الظلام ، وكل خطوة تقودهما معا إلى اليأس ، وتثير في نفسالفتاة الألم وفي نفسه القلق ، حتى وصلا إلى قسم البوليس .
ووجد هنالكضابطا شابا في دور التمرين بالقسم ، فتقدم هو إليه يسأل ، وتخلفت عنه قليلا . وأخذالضابط يراجع دفتر الأحوال . وكانت هي قد تقدمت في هذه الفترة فوقفت بجانبه معتمدةبذراعها على كتفه في تهالك . وقلب الضابط بعض الصفحات ثم قال :
= سعيد ....
ولم يكد يتم حتى شهقت شهقة والهة مكتومة ، وكادت تسقط ، فألقت بنفسها عليهمعتمدة بكلتا يديها .
وأتم الضابط الاسم ، فاتضح أنه ليس أخاها . ولزيادةالتأكيد سأل هو الضابط عن عمر هذا المذكور في (( المحضر )) . فلم يعد هناك شك فيأنه ليس الصبي المفقود .
ونظر إليها الضابط الشاب فاتقدت عيناه . ثم أرادأن يعابث – دون تقدير للموقف – فقال :
= اطمئني . يظهر أنك تحبينه ! .. وضحكضحكة فاترة سمجة ، ثم أخرج من مكتبه علبة وقدم لهما شيئا من الحلوى . فاعتذر هوشاكرا في برود :
وسأله الضابط عن اسمه وعلاقته بالصبي .
فلما سمع اسمهبدا عليه اهتمام خاص ، وقال : حضرتك الذي تكتب في الصحف ؟ أنا أعرف هذاالاسم
قال ، وأحس بلذة عميقة :
= نعم !
وقال الضابط باهتمام ظاهر :
= نسأل في المحافظة ، ففيها تجتمع حوادث الأقسام . وقام بنفسه ليكلف عاملالتليفون السؤال ، وعرض عليهما أن يستريحا على كرسيين .
ولكنهما شكراه ، وتابعاخطواته إلى التليفون ، وجاءت الاستعلامات مطمئنة ، فاستراحا إليها . ثم استأذن منالضابط شاكرا ، فصافحه هذا بحرارة ، وهو يقول :
= تستطيع أن تسألني بعد ساعةبالتليفون ، أو أعطني العنوان وأنا أخبرك إن وجدنا شيئا . وخرجا معا بهذا الاطمئنانالسلبي . ولكنه خرج مستريحا لكل ما كان !
***
وعاداإلى الدار وهي متعبة من السير والقلق ، ولكنهما وجدا المفاجأة هناك .... لقد عادالصبي والخادمة . كانت حديثة عهد عندهم ، فضلت طريق العودة ، ثم اهتدت أخيرا إلىالطريق ..!
وفي اندفاعة جارفة راحت تحمل الصبي بيديها ، وتضمه إليها في لهفحار ، وتمطره بالقبلات كالسيل المنهمر ، وتستريح هنيهة ثم تعود ... فلما كادت تشبعقال هو معابثاً :
= كفى ! لقد بدأت أغار !
قالت :
= تغار ؟ وأنت مالك ؟هذا حبيبي سوسو !
قال وذهنه خال من كل فكرة سابقة :
= وهل أغار إلا لأنهحبيبك ؟
وفجأة تغير وجهها لهذه الكلمة ، وانطفئت الشعلة المتوهجة كما ينطفئالمصباح ، وبدا عليها الكمد والإجهاد . وقالت في نبرة كسيرة خافتة :
= ماذاتعني ؟
وكان لا يعني شيئا . ولكنه أدرك ما جال بخاطرها في هذه اللحظة فقال :
= لا أعني شيئاً .. إنك مجنونة .. خذي كلامي ببراءة .. ولا تحوجيني للشرح أوللتحفظ .. فأنا أكره التحفظ والتكلف ...
وعلت نبرة صوته وهو يقول :
= ياسميرة .. منذ اليوم دعينا نعيش بلا تحفظ .. كما خلقنا الله !
وردت إليهاهذه اللهجة الحاسمة طمأنينتها ، ولكنها لم ترد إليها توهجها ، فظلت ساكته فترة منالزمن .
***
وذهبت تعنى بعشاء الصبي من اللبنوالفاكهة ، ولم يلبث إلا قليلا حتى رنق الكرى عينيه فنام .
نام بين يديهافانحنت عليه بحنان ظاهر ، ورفعته إلى كتفها في رفق ، وربتت على ظهره في حنو ،وتحركت نحو السرير ببطء .
ونظر إليها وهي تنيمه . فإذا مشهد فاتن ، لم تقععليه عيناه : هذه القسمات الحانية ذات الوجه الجميل ، وهذه النظرات الرحيمة في تينكالعينين الساحرتين .. وهذه الحركات الوانية في جوارح الجنية الهاربة ، وهذه القبلةالمديدة من تينك الشفتين الفاتنتين .. إنها الأمومة الكاملة في نفس الحورية العذراء، حورية وأم .
هذه هي المفارقة التي لا تجتمع إلا في الخيال ، تتحقق أمامهفي العيان !
وفي تلك اللحظة كان يحلم بالعش المسحور . وكان له طفل تنيمهالحورية الهاربة ، في هذا العش المسحور ........!
.. الماضيالحي ..
كانت تزوره في الدار مع أختها وأخيها ، ولم يكن هو وحيداً، فقد كان يعيش مع شقيقتيه الفتاتين . وقد انعقدت أواصر الصداقة القوية بينهاوبينهما . ولم يكن هناك حواجز تحول دون زيارتها .
ودخلت حجرة مكتبه ، وأخذتتتفرس في مجموعة كتبه ، وتقلب في بعض الصفحات ، ثم اتجهت إليه وهي ترفع رأسها فتبدوفاتنة رائعة ، وقالت في لهجة الطفل المتودد : اختر لي كتابا أقرؤه من كتبك .
كانت تعلم غرامه بالكتب ، وحبه للقراءة ، ورأيه في المرأة التي لا تقرأ . وكانت في الوقت ذاته مولعة بالمكايدة تُفتن فيها افتتانا ، فكانت حريصة على أن تبدوفي معظم الأحيان وهي تغيظه بارتكاب ما يكره واجتناب ما يحب . ولكنها كانت تنسى هذهالمكايدة في بعض الأحيان فتبدو على طبيعتها ، تريد أن تعجبه وتروقه ، وتصوغ نفسهافي الصورة التي يحب . وكان طلبها هذا الكتاب تقره توددا منها تقصده ، ويفطن هو إلىمغزاه .
واتجه إلى القسم القصصي في مكتبته ، فهو أولى الأقسام بأن يجتذبفتاة إلى القراءة ، وكان قد أهدى إليها من قبل بعض القصص فادعت أنها لم تقرأها . ولكن لسانها كان يخونها فتشير في أحاديثها معه إلى ما ورد في هذه القصص . فيضحك مرةمن هذا في سره ، ويضحك مرة منه في جهره ، فتحاول الإنكار بعد فوات الأوان ! .
ولا يدري إلا الشيطان ، لماذا وقعت يده على قصة (( الماضي الحي )) المنقولةإلى العربية عن (( جي دي موباسان )) ... كل قصة إلا هذه القصة كان معقولا أن يوجهإليها نظره في ذلك الحين .
ولكن هذا هو الذي كان !
أتراها قوةشيطانية تلك التي دفعت بيده إلى هذا الكتاب ؟ أتراها نفسه الباطنة التي ما زالت إلىاليوم ترتاب ؟
أيا كان الباعث فقد اضطربت يده حينما وقع نظره على العنوان ! .. ووقع نظرها عليه أيضاً !
قال في تردد :
= لا .. خذي غير هذا ( وهم أن يعيدهإلى موضعه في المكتبة )
قالت وقد أثار العنوان أولا وتردده ثانيا ما في نفسهامن استطلاع :
= ولماذا ؟ هات هذا الكتاب !
قال في إصرار هذه المرة بعضالشيء :
= لا ... غيره خير منه
قالت وقد زاد تشبثها به :
= لم أقرأ إلاهذا الكتاب !
ولم يعد بد من أن يسلمه إليها .. وقد أحس في أعماق نفسه بغم عظيموقلق دفين !
***
كانت القصة قصة سيدة أخطأت . كانلها ولدان لهما ولدان ! ولكنهما يحملان اسم أحدهما وحده . وقد حسبت أن الماضي قدمات ، وحسب الناس أن (( بيير وجان )) شقيقان !
كانت سيدة محترمة ، بريئة ! فوق مستوى الشبهات ! ...........
أما الماضي فقد كان سرا لا يعلمه أحد . ومن أينلأحد أن يعلمه ، وصاحبه الآخر قد مات .. وهي لن تكشف عنه بطبيعة الحال ؟
لقد استراح ضميرها لهذا كله ، بعد أن غيب في عالم النسيان ، وعاشت مع زوجهاوولديها وكأن لم يكن ما كان !
ولكن هذا الماضي يُبعث في يوم من الأيام . إنه حيلم يمت بعد عشرين عاما أو تزيد ..
إن (( بيير )) يكشف فجأة أن (( جان )) ليسأخاه الشقيق . إنه ابن ذلك الرجل الآخر الذي عاش صديق الأسرة ، ومات فأوصى بثروتهكلها للولد الأصغر (( جان )) حيث لم يسأل أحد يومها : لم هذا الإيثار ؟
ويعنف المؤلف كل العنف – وهو يكشف هذا السر للابن الأكبر – فيمزق مابينه وبين أمه من رباط . إن هذه المرأة البريئة المظهر قد خانت أباه . إنها أمه ،وهذه هي القسوة الكبرى في المأساة ! وإنه ولدها ، ولكنها تحس وقع نظراته وشبهاتهالتي تتحول إلى يقين – كما تحس بالأشواك المسمومة . إنه ولدها ، وهذه هي القسوةالكبرى في المأساة !
***
قالت له في هذه المرة عندأول لقاء :
= لقد قرأت القصة !
وأحس أن كلماتها تقطر مرارة ، وأنها تتماسكوكيانها يرتجف وينهار .
قال :
= إنها قصة عنيفة ... لقد أشفقت أن أقرأها مرةأخرى لأنها مؤذية !
قالت مستطلعة :
= ولماذا تؤذيك ؟
قال وقد أراد أنيتجاهل كل شيء :
= إن المؤلف قد رسم موقفا أليما بين الأم والابن يهز الأعصاب .
قالت :
= أوتحسب ان كل من يقرؤها يحس فيها ما أحسست !
وفهم أنها تضربعلى وتر خاص ، فقال :
= لا شك في هذا وإن تفاوتت أحاسيس الناس
قالت وقد بدتفي صوتها رعشة تغالبها :
= لماذا أعطيتني هذا الكتاب ؟
قال :
= لأنكأصررت على أخذه
قالت :
= ولكنك اخترته من أول الأمر !
قال :
= لماختره .. لقد وقع في يدي مصادفة ، فأشفقت منه على أعصابك ، لأنني جربته في أعصابي ... ( ثم أضاف ) : منذ أعوام !
تطلعت إليه ثم قالت :
= متى قرأته ؟
ووجدها فرصة يبعد بها الشبهة فقال :
= أقول لك منذ أعوام
قالت متخابثة :
= أولم تعد إليه مرة أخرى في هذه الأيام ؟
قال :
= كلا .. لم أطق أنأعود إليه مرة أخرى .. بعض الصور تطبع في النفس فتحاول الهروب منها ، ولكنها تتراءىلها كلما أبعدت عنها .. فلا يحتاج الإنسان لمراجعة الأصل أبدا .
ووجد نفسهيندفع في وصف تأثير القصة في أعصابه ، وهي تصغي إليه بشدة ، وتتراقص في عينيها ظلالمعركة . فأمسك عن الكلام ، وأمسكت هي كذلك ، وسادهما صمت ثقيل .
***
دخلت كلمتا (( الماضي الحي )) في قاموسهما بعد هذااليوم . فما تأتي كلمة (( الماضي )) حتى تلحق بها على الفور (( الحي )) وحتى تبعثفي خيالهما صورة خاصة . وتبعث في حياتهما جوا خاصا . ولم يفلح بعد ذلك في أن يعيدالثقة إلى نفسها مرة أخرى . كانت تصارع وكانت تريد أن تكون له ..... ولكنها باتتتخشاه !
.. القطيعة ..
مرت الأيام . واقترب الموعد المحدد للعقد ، وأخذ الجميع يستعدون له باهتمام ، واستقر الرأي علىأن تقام حفلة الشاي بدل المقصف ، ونزل مع أخيها فاتفقا مع مشرب من مشارب الشاي علىالحفلة ، ودفع هو (( العربون )) كما راح ينتقي علبة الملبس الخاصة بالعروس . وجلسواليلة يختارون أسماء المدعوين ، وشاركت هي في إعداد البيان ، وأملت أسماء صديقاتهاليحضرن اليوم الموعود .
ونزلت مع أمها فاشترت عددا من الفساتين – منبينها فستان الليلة الخاص – وكانت شقيقتاه وشقيقتها كذلك قد اشترين الفستان الخاصبالسهرة من لون واحد ، وذهبن إلى خياطة واحدة للتفصيل ...
كان كل شيء فيالظاهر يندفع إلى الأمام . ولكن تيارا آخر مضادا كان يسير في الخفاء . كان شعورهبأنها صارت له ، وأن حياتها سترتبط بحياته يوقظ في خاطره الوسواس والهواجس ، وكانتالأشواك التي خيل إليه أنها اقتلعت أعمق مما قدر لها في الضمير .
وكانشعورها بأنها صارت له وأن حياتها ارتبطت بحياته يوقظ في خاطرها المخاوف والمخاطر ،بعد أن كشفت له عن موقفها وجردت نفسها من كل سلاح .
كان الشك يوغل في نفسهبجانب الحب ، أو بسبب الحب ، فكان حريصا ملهوفا على أن يتأكد أنها خلصت له إلىالنهاية .
وكانت كبرياؤها قد استيقظت فهي تريد أن تتأكد من استعاده مركزهافي نفسه ومن انتهاء شكوكه فيها .
وكان كلاهما في سبيل الحصول على هذااليقين يرتكب في كل يوم حماقات صغيرة ، أخذت تحيل الحياة إلى جحيم .
***
كان قد اختار لها علبة ملبس صغيرة من الفضةالخالصة ، وأقبل بها فرحا بحس انتقائها , ولكنها لم تهش للعلبة ، ولم يبد عليهاأنها تستقبلها استقبالا طيبا ، وبدلا من أن يفكر في ان نوع العلبة قد لا يكونأعجبها ، فكر في أن المناسبة كلها لا تفرحها !
واغتمت نفسه لهذا الخاطر ،وأوّله بما كانت تعترف له به في إبان الصراع : إنها حينما تحس فقدان أحدهما يكون هوالعزيز عليها ، فراح يرقب كل حركة من حركاتها ويؤولها هذا التأويل ، وتفلت منهتلميحات ونظرات لا يفوت مغزاها فتزداد انقباضا ، وتوجس نفسها خيفة ، وتحاول أنتتأكد بتجربة جديدة تزيد الموقف سوءا وتعقيدا ! .
وقدم يوما إلى الدار ،وكانت تتهيأ مع جارة لهم لزيارة صديقة ، وكانت في مثل هذه المصادفات تتخلف فلا تخرج، أما في هذه المرة فحاولتها تجربة لتعرف مدى احتماله لها في حياتهما .
ومضت في زيارتها .......
وفسر خروجها وتركه في المنزل بأنهالم تعد تعنى به ، فآلمه هذا الخاطر ألما شديدا لم يستطع معه البقاء في الدار .. فلما عادت بعد فترة قصيرة لم تجده ، وانهالت عليها أمها تأنيبا ، فزادها هذاالتأنيب شماسا ونفوراً .
ولكن الاستعدادات لليوم المحدد سارت في طريقهاالمرسوم ! .. وجاء في اليوم التالي ونفسه محملة ، وحينما استقبلته لمحت ما يختلج فينفسه ، فزادها ذلك هما وذبولا .
ثم انفرد بها وراح يعاتبها في خشونة علىفعلتها بالأمس ، فلم تتراجع ، ولم تدركها غريزتها بالحل المناسب . وكانت قسوةالتأنيب الذي لقيته من أمها العصبية تملأ نفسها مرارة ، إلى جانب مخاوفها من الحياةمع رجل لم يعد ماضيها يهيئ لها في نفسه احتراما ، وزادها عتابه الخشن خشية ومرارة ،فعاندت عنادا شديدا .
أما هو فكان يحس أنه ضحى بما فيه الكفاية ، وأنهاحتمل ما فيه الكفاية ، وأنه أنفق رصيده كله من العطف والتسامح والإيثار في أيامالصراع والعلاج ، وأن له الآن – وقد صار زوجا – أن يتلقى الجزاء تقديرا لموقفهوعرفانا بسماحته ، وكان هذا الجزاء الذي يرتجيه ، أن يجد بجانبه شريكة خالصة لهمتوددة إليه .
وأما هي فكانت تخشى أن تتودد كما يريد ، فيحمل ذلك منها علىذلة الاعتراف ، ومهانة الانكشاف ، وكانت تقيس مكانها عنده باحتماله لتدللها ، فيوقت لم تعد له طاقة لاحتمال الدلال !
فلما اشتدت المناقشة بينهما إلى حد لمتبلغ إليه من قبل أبداً ، خرج من الدار مغضبا ، وسار في الطريق ثائرا ... وكانتذقنه طويلة ، وشعوره بطولها يسبب له عادة مضايقة ، ويفسد مزاجه كثيرا ، فدخل دكانحلاق ، وهو لا يدري تقريبا ، وفي الفترة التي قضاها في الحلاقة كانت نفسه تصفو ،وكان تسامحه يعاوده ، وأحس في نفسه بقية من رصيد ، فرأى أن يبذله للمرة الأخيرة . وكانت قبل هذه المشادات قد أظهرت رغبتها في مشاهدة أحد الأفلام الجديدة ... ورأىنفسه ينساق مسرورا إلى دار السينما فيقطع ثلاث تذاكر ، له ولها ولأخيها الصغير ،الذي كان يصاحبهما في معظم الحفلات ، لحفظ المظاهر في أنهما لا يختليان بعيداً ! .
وأحس وهو يمسك بهذه التذاكر الثلاث أن كوة من الرجاء تنفتح في خاطره ،وقدر أن هذه المحاولة اللطيفة سترد إلى الجو صفاءه لأنها مفاجأة لا تنتظرها ، وقدخرج بعد المشادة غاضبا .......!
ودخل الدار متهللا نشيطا فوجدها لا تزالمنزوية كئيبة . وقد قاطعت كل من فيها ، فلم تتأثر نفسه بانقباضها ، وابتسم وقال لها :
= تعالي أحدثك على انفراد
قالت :
= لقد شبعنا من الحديث على انفراد !
وصدمته هذه المقابلة . ولكنه وجد في نفسه سعة لعرض المفاجأة!
وكانا قدوصلا إلى حجرة الجلوس ، فأخرج من جيبه الأوراق الثلاث في تمهل ، ثم أسرع وهو يبسطهاعلى ظهر البيانو ، وقال في ابتسامة ودود :
= هذه تذاكر الرواية وسنشاهدها غداً !
ولو تلقت المفاجأة كما انتظر لانتهى كل شيء ، فقد كان على استعداد في هذهاللحظة لأن يغفر لها مشاداتها جميعا . ولكنها لم تدرك الغرض ، فقالت في استخفاف :
= تحسبونني طفلة ، تغضبونها وتوبخونها ، ثم ترضونها بقطعة من الشيكولاته ؟
وانصب عليه ماء بارد ، وصغرت في عينه جدا ، وتلفت فإذا آخر شعاع في نفسه يخبو ،وآخر فسحة في صدره تضيق ، وقال في خشونة :
= لم تفهمي قصدي .. إنك صغيرة .
وسمعت أنه يقول لها (( حقيرة )) ، فاتاعت ، ورفعت صوتها منفعلة : أي نعم حقيرة !.. حقيرة .. هذا ماكنت أتوقع .. معك حق .. هذا ما كنت أحس . إنك تحتقرني في ضميرك، انكشفت الآخرة ولم يعد شيء مخبوءا ...
وانطلقت من الحجرة غاضبة وهي تبكيفي شبه نشيج ، وأقبلت أمها فأدركتها رقة عليها بعد ما انبتها بالأمس تأنيبا شديدا ،وحسبت أنه هو الاخر يقسو عليها بعدما احتملت منها كل قسوة ، وغلبها حنان الأم ،وراعها مشهد ابنتها تتعذب عذابا ظاهرا، فأدركتها عصبيتها كذلك ، وانطلقت توجه إليهاللوم في عنف شديد ..
قالت :
= إنه لا يكون هكذا يا ابني ! .. إن الحياة لاتستقيم على هذا النحو . ولو كانت جارية يعذبها سيدها ما احتملت أكثر من هذا ، كليوم عتاب ، وكل يوم مناقشة ، وكل يوم تأنيب ، أنا من جهة وأنت من جهة . يا رحمةللبنت المسكينة ! .. سأنتظر حين يجيء أبوها .. إن هذا الحال لم تعد تطاق !
وفوجئ هو بهذه الثورة من هنا ومن هناك في اللحظة التي لم يبق له فيها رصيدللاحتمال وأحس إحساسا قاطعا أكيدا عميقا أن كل شيء قد انتهى ، وأنه لم تعد صلةتربطه بها !
وغلا دمه واشتد انفعاله ، وانطلق لسانه :
= وهو كذلك .. فأنا الآخر لم أعد احتمل شيئا .. كل شيء يحسن أن ينتهي !
وكانت هذه الكلماتكفيلة بأن تشعر الأم أن الصلة تتقطع ، فزادها هذا ثورة وهياجا ، وإذا كانت تتقي منقبل شيئا فإنها لم تعد تتقي . وكذلك استمعت الفتاة إلى كلماته وأحست من لهجتها أنكل شيء قد انتهى .. فندت من فيها كلمات كانت الطعنة المجهزة الأخيرة . قالت :
= الحق علي أنا التي قبلتك ، بعدما حذرني كثير من الناس ! ولم يعد هناك مجال لشيء .. فهذه بالذات لن تكون امرأته في يوم من الأيام ....!
***
وجاء الوالد .. وعرضت أمها الأمر .. وبدت له جفوة في حديث والدهاوأخيها الأكبر يحاولان سترها فتبدو ، ولأول مرة سمع أخاها يتهمه في لهجة جافة بأنهلم يكن في الحقيقة جادا في مشروعه ، وأنه كذلك كثير الشكوك والمخاوف إلى درجة لاتطاق !
وأدركته روح السخرية بالموقف كله ، فأعفته من الردود العنيفة التيكانت تجيش بها نفسه ، وأحس في نفسه باشمئزاز من الطبيعة البشرية ومن أهل القاهرةخاصة .. وكانت نشأته في الريف تخيل له أن الناس هناك أحسن أصلا ، وأكثر مروءة ،وأنقى ضميراً .
وعلى أية حال فقد اتفق الجميع على اليأس من المشروع ، ولميكن بقي على الموعد إلا ثلاثة أيام . وكان الألم يحز في نفس الوالد ، ولا بد أنهكان أعنف في نفس الوالدة .
ولكن الأسرة ردت إليه خاتم الخطوبة والشبكة (( وعلبة الملبس )) فكانت أشبه شيء في حسه بمخلفات الميت بعد درجه في الأكفان !
وقام هو من جانبه يرد صورها وأوراقها إليها وإن لم تطلب إليه ردها ، فتلكمخلفات الميت بعد درجه في الأكفان !
تم هذا كله في شبه ذهول . فخيل إليهفترة أن كل شيء هين ، وأن كل شيء قد انتهى . ولكنها كانت (( سرقة السكين )) كمايقول العوام ! .. فقد تنبه بعد فترة فإذا هو لا يجد نفسه ولا يجد ماضيه ولا يجدحاضره ، وكأنما هو في بَحَران !
.. الترام المسحور ..
مضت أيام بعد المعركة قبل أن يستعيد لنفسه صلاتها بالحياة . وقبل أن يستيقن أن ركب الحياة يسير كما كان من قبل يسير ، وأن عجلة الزمن كذلك تدور، وأن معالم الكون ومعالم القاهرة لا تزال ! .
مرت عليه هذه الأيام وهوفي حالة نفسية غريبة ، ليست عقلا ولا جنونا ، وليست صحوا ولا ذهولا . كان يحسبالدهشة تخالجه كلما رأى شيئا من مظاهر الحياة التي كان يراها قبل الكارثة ! .. وكان قد احتجب في داره أياما من الإعياء ، واستغرق في نفسه وأغلق عليه منافذها ،فلما خرج إلى الطريق أدهشه أن يجدها كما كانت ! وعندما قادته قدماه إلى المحطة بهتبهتة حقيقية وهو يرى القطار الذي كان يركبه إلى المدينة ..... أولا يزال القطاريسير ؟
وإلى أين يذهب بالناس ؟
ووصل إلى المدينة فسار في طرقاتها بنفسالشعور ... وكان كلشيء ممكنا – مع ذلك – إلا أن تقوده قدماه إلى الشارع الذي يسيرفيه الترام .. وترامها هي على وجه خاص !
ورآه مقبلا فحدق فيه ببلاهة ،وكان وعيه غائبا .. ومرت لحظة ونفسه تحدثه ذاهلة : إنه لا يذهب إلى هناك ، فلماذايسير إلى الترام ؟!
ثم أفاق فروّعه أن يكون وصل إلى هذه الحال!
****
ودارت عجلة الزمن ، فأصبح يقينا ما ليسباليقين .. وعوّده كر الغداة ومر العشي أن الكون يستطيع أن يكون دون أن يكون حبهالكبير ! .. وأن الحياة تستطيع أن تمضي وإن وقف حبه إلى حدود وأن القطار والتراميسيران وإن لم ينقلاه إلى هناك !
ولكن الزمن لم يستطع أن ينسيه أن لهذاالترام الخاص سمة خاصة تميزه من كل ترام ، إنه ترام مقدس أو مسحور . ويكفي أن يلمحرقمه وهو يسير ليدق قلبه دقات عنيفة ، ولتتحرك خطاه ويهم بالركوب . ثم يصحو فيسخرمن نفسه ، ويقف لحظات يسترد فيها هدوءه ثم يسير .
وظلت هذه الرغبة إلى ركوبهذا الترام تراوده فيصدها عن خاطره ، وتعز عليه كرامته ، ويتغلب عليها بالسخرية مننفسه تارة ، وبالتصميم على مغالبتها تارة ، وبالحجة يحاور بها رغبته تارة : لماذاتركب ؟ وإلى أين تذهب ؟ إنه لسخف تفكيرك ذاك !
وذات يوم يقابله زميل لهفي المدرسة الأولى ، أيام المراهقة ، فيسلم عليه باشتياق الزملاء الغيّاب ، ويجلسانفترة يتذاكران أيام الصبا قيلتقي شعورهما عليها ، ثم يمتد الحديث فيشعر أن هوةتفرقه عن زميله .. لقد وقف تعليم الزميل وثقافته عند حد ، بينما مضى هو يتعلمويتثقف ويوسع معارفه وتجاريبه ... فلما التقى به كان في واد وزميله في واد ...
ويبرد الحديث ويجد في نفسه فراغا منه ، ويعتزم أن يستأذن .. وحسبه هذهاللحظات .. ولكن زميله يسأله عن عنوانه فيذكر له رقم مسكنه في الضاحية ! ثم يتقدمإليه الزميل ببطاقته وفيها العنوان ..
ماذا ؟ إنه يسكن هناك ! بل إن دارهلا تبعد عن دارها إلا بمحطتين في الترام ... وهنا يعود زميله مخلوقا جديدا في نظره . مخلوقا آخر غير الذي كان .. مخلوقا مسحورا تحف به الأسرار وتحيط به الهالات .
وتراوده نفسه على أن يمد الجلسة .. فيصده عن ذلك أنه استأذن من زميله فعلا .. ولكنه يقول في حراراة واضحة ، ولهجة مضطربة ، لا يزن فيها الكلمات والإشارات :
= آه .. أنت هناك ؟ سأزورك إذن ، سأزورك قريباً !
ويتلقى زميله هذه الرغبةبالترحيب والاستبشار ، ولا يلمح شيئا مما وراءها ، ولا يجول في خاطره إلا انه إعزازالزميل القديم وشوقه إلى لقياه !
***
ولم يمضيومان يومان حتى كان في طريقه إلى زيارته . لقد وجد المبرر . فما تستطيع نفسه أنتحاجه بعد اليوم في ركوب هذا الترام ! .. ماذا ؟ إنه ذاهب لزيارة زميله القديمالعزيز ! ...
ويتحمس لهذا الخاطر حتى ليضحك لحماسته حين يفيق ، وكأن أمامهمن يحاجه ويشتد عليه في الحِجاج !
وحين وجد نفسه في الترام .. تنفس نفساعميقاً طويلا ، ومد قدميه في حجرة الدرجة الأولى ، وارتكن بمنكبيه على حافة النافذةبضع لحظات .
ومضى الترام محطة ومحطة ومحطة .. ثم افاق .. إلى أين هو ذاهب ؟أماض هو إلى زميله حقاً ، أم ان هنالك غرضاً دخيلاً ؟
وهتفت به كل ذرة فيكيانه : آه لو يلقاها في المحطة أو في الطريق العام ! إنه سيكون في مجالها القريببعد بضع محطات !
وتوالت المحطات .. وكلما قرب من المحطة المسحورة زاد قلبهخفقانا ، وزادت المعركة في نفسه احتداما ، وساورته خيالات صبيانية ساذجة ، ودار فينفسه حديث طفلي غريب :
= ولو كانت هناك ورأتك ، فماذا عساها تقول ؟
= ماذاعساها تقول ؟ إنني ذاهب إلى زيارة الزميل !
= ومن يدريها هي أنك ذاهب إلى زميلك؟ ولم لا تؤول مرورك هنا بانك تقصد رؤيتها ؟
= من يدريها ؟ وما ذنبي أنا ؟ وهلهو طريقها الخاص ؟
= ومع ذلك فقد لا تكون هناك !
وهنا يحس بانطفاء في روحهوباكتئاب يغشاه ...... ثم ..... من الخير ألا تكون هناك . فقد تتوهم على كل حالأنني لازلت أهفو إليها بعد كل ما كان !
وبينما تدور هذه المعركة كان التراميقترب ، وهنا تزاحمت خواطره ، وفقدت نظامها واتساقها : ليتها تكون . ليتها لا تكون . آه لو رآها . إنني أخشى لقياها . لست ذاهبا إليها ، أنا ذاهب إلى صديق ! هه ! هذههي محطتها ! ... وكانت أنفاسه عندئذ لاهثة ، وعيناه زائغتان . وخبأ رأسه قليلا ثمأطل بعنف ، ودار بعينه دورة سريعة . وتحرك الترام من المحطة ... الحمد لله . إنهاليست هناك ، ولكنه يخمد ويخبو وتركد أنفاسه ، ويغشى خواطره الظلام !
***
واستقبله زميله ! – أو صديقه كما راح يسميهبحفاوة وبشر وابتهاج ، ولاقاه هو بهمود وبلادة واكتئاب ، وعزا ما به إلى تعب السلم، وغاص في كرسيه يستريح .
وانقضت الزورة ، وهم بالاستئذان .. وإذا زميلهينزل معه ليودعه ويعرض عليه أن يتمشيا محطتين حتى يفرغ زحام الترام بعض الشيء لأنفريقا من الركاب ينزل عادة هناك .
وأحس بانتعاش قوي لهذا الاقتراح . محطتان . أي انه سيركب من المحطة المقابلة للدار .. وزميله معه ، فهو حجته في زيارةالحي والركوب من هذه المحطة ! وكأنما هناك من سيسأله : لماذا جاء إلى هنا ؟ ولماذايركب من هناك !
وسار في نشوة وفي قلق كذلك .. سار يتلفت هنا وهناك عسىأن تقع عينه عليها في الطريق أو في الشرفة إو في أي مكان . ولكنه لم يرها ، وبدأيخمد مرة أخرى . وفجأة يرى أمامه وجها لوجه .. بواب الدار في الطريق العام
= عمسليمان ؟ أهلا وسهلا عم سليمان !
وقال الرجل بلهجته النوبية الخاصة :
= أوه .. إيه حالك يا بيه ؟ والله زمان !
= الحمد لله يا عم سليمان !
وأفعمتاللهفة نفسه أن يسأل عن أهل الدار .. ماذا جرى هم ؟ ما اخبارهم ؟ هل تزوجت ! وألفسؤال وسؤال ..... ولكن كبرياؤه وقفت به لا يلقي أي سؤال .
وقال الرجل في لهجةيخامرها الأسف والأسى :
= فين أيامك الحلوة يا بيه ... ( وسكت برهة ) .. همكمان عزلوا من زمان !
وانفتح الباب على مصراعيه . ولكنه ظل متحفظا ، فقال فيحذر ينفي عنه الريبة :
= نقلوا ؟ لا بد أن يكونوا بعيدا عن الحي !
وقالالرجل : إنهم لم يبعدوا كثيرا فهم في الحي المجاور ..
ولكن بقيت أمامه مشكلةأخرى : أن يعرف بالضبط عنوانهم الجديد .
ولكن لماذا يعرف عنوانهم الجديد ؟ ماعلاقته بهم ؟ وهب له بهم علاقة ، فإنه يعرف رقم تليفون أبيها في مكتبه وهذا يكفي !
ولكن شعورا غامضا يساوره : إنه يحب أن يعرف المنزل الجديد ، إنه يحتفظفي مخيلته بصور المنزل القديم ، ويسترجع من هذه الصور حركاتها وتنقلاتها .
هيمرة في حجرة الجلوس توقع على البيانو ، وهي مرة تستقبله على الباب ، وهي مرة فيمرافق المنزل ، وهي مرة تنام في سريرها الخاص ، وهي مرة تقفز وهي تقطع الممر القصيرفي بضع خطوات .... فهو يملك منها شيئا كثيرا ، ولديه منها رصيد مذخور . ولكن في هذاالمنزل الجديد كيف يتخيلها ؟ إن صورها مائعة في خياله ، بل لا صور لها إلا ما يحاولالخيال أن يركبه من العدم فلا يسيطيع .
مرت هذه الخواطر في نفسه سراعاوالبواب أمامه ، ثم هدته الحيلة ، فقال :
= والله كنت أريد أن أقابل أخاها لأمرهام ، ولكني لا أعرف العنوان !
وهنا أسرع البواب فذكر له اسم الشارع ورقمالمنزل وهو يقول :
= (( والله ناس طيبين زيك يا بيه .. مين يعرف ؟ يمكن برضهيكون لكم نصيب ! ))
واستروحت نفسه هذه الكلمات استرواح الظلال فيالهجير . إذن هي لم تتزوج بعد ،و من يدري فقد تكون هنالك بقية .. ألا يقول ذلكالرجل البواب ؟!
وارتد إليه نشاطه ، ووثبت خطواته ، ووقف ينتظر الترام علىالمحطة مع صديقه حتى جاء فركبه ومضى في نشوة وانطلاق .
***
وغالبه الشوق الجارف لأن يتعرف الدار الجديدة . ولكن إرادته كانتأقوى ، فلم يحاول ذلك أياما طويلة ، إلا أن زياراته لصديقه لم تنقطع ، فالحي الجديدفي طريق الحي القديم !
وفي كل مرة كانت تدور المعركة ذاتها ، وتنتهيالزيارة كما تنتهي إلا انه في مرة تشجع فطلب إلى زميله أن يرافقه ليتمشيا في الحيالذي ذكره البواب ، لأنه يريد أن يسأل عن شأن له هناك !
وكان وجود زميلهمعه هو المبرر الرسمي لوجوده وسارا حتى وصلا إلى الشارع المطلوب ، وظل يتصفح أرقامالبيوت دون أن يلفت زميله ، وكلما قرب من الدار ارتفعت دقات قلبه وبدا عليهالاضطراب .
وحميت المعركة التي دارت في أول مرة ، وزاد الإحراج أنه يسير هناولا يركب الترام ، وازدحمت الهواتف والرغائب والمخاوف حين صار أمام المنزل ... ولكنهاهي ذي نوافذه مغلقة ولا شيء هناك ! .
وكان الجهد قد نال منه ، وبدا عليهالإعياء ، فلم يجد مشقة في إقناع صديقه أنه متعب ، وأنه يحسن أن يعود فيأخذ الترام .
***
ولم يحاول بعد ذلك أبدا أن يمر في هذا الحي ،لقد اطمأن إلى معرفة الدار ، كأنما هذا كل ما هنالك , ولكنه لم يتخلف عن زيارةصديقه والمرور على الشارع الذي به الدار من بعيد في الترام !
وفي يوم يلقىزميله في القاهرة ، فيسرع إليه ليخبره أنه ترك داره القديمة إلى عنوان جديد ، ويخرجمن جيبه ورقة ليكتب له فيها العنوان الجديد !
وأخذ أخذة شديدة ، وخيل إليهلحظة أنها عملة سخيفة جداً ! .. وكاد لسانه يفلت فيؤنب الرجل عليها ! .. ولكنهيتدارك نفسه .. ويخفي تجهم وجهه وملامحه ، ويتناول الورقة في برود فاتر : لقد سقطتحجته في أن يذهب بعد اليوم إلى هناك !
وقال الرجل في براءة : ستزورني طبعافي عنواني الجديد ! .. قال في برود وشرود : إن شاء الله .. إن شاء الله .
.. الصورة الهاربة ..
تخلفت عنده صورة لميردها إليها ... لم يكن ذلك عن عمد . كانت هذه الصورة أكبر حجما من أخواتها . وكنجميعا في ظرف صغير ، أما هي فكانت في ظرف آخر كبير ، وكان قد أهملها في مكانهالأنها صورة (( مهزوزة )) فلم يكن يراها كثيرا .. لأن الصور الأخرى أوضح وأدق وأجمل . ولكنه أراد أن يردها إليها كما رد رفيقاتها ، وبحث عنها فلم يجدها ، فأضمر أنيردها حين يعثر عليها .
وحينما هدأت الثورة التي طغت على أحاسيسه ، وتكشفتالغمرة التي أغرقت عواطفه ، وسار الحنين إلى حوريته الهاربة التي تبدت أسطورة خالدةفي حياته .... عندئذ أحس باللهفة والشوق إلى كل أثر من آثارها ، وشعر بالحنينالمترقرق يهمس في جوانجه ؟ يا ليت شيئا من أشيائها يكون في متناوله !
وكان كل شيء يتصل بها من قريب أو بعيد قد بات حبيبا إلى نفسه ، ترفعليه روحه ويترقرق الوجد في حناياه وتحف به هالات مسحورة تتراءى خلالها الطيوفوالأحلام !
ودب الندم والتمني إلى أحاسيسه في فترات كثيرة : لو أبقيتصورها ! إنها لم تطلبها مني ! لو أبقيت رسالتها إليّ ، وهي رسالة تنطق بنيل ضميرها، ودقة حساسيتها ، وتصور حقيقة معدنها ، ويقظة شعورها ! .. لو أبقيت (( الشبكة )) وخاتم الخطوبة وهما يساويان – في الذكرى – أضعاف أضعاف ثمنهما ! .. لو أبقيت (( علبة الملبس )) إنها على كل حال أثر منها ! . لو عملت ، لو أبقيت .....
وتقلب يده ذات يوم في أوراقه ، فإذا هو يعثر على الصورة ... . قفز قلبهقفزة شديدة بين ضلوعه ، وبقى فترة طويلة يدق دقا متواصلا عنيفا ، وارتجفت يده وهيتتناول في قداسة وروعة ، فتقربها من عينيه ، فيتطلع إليها هنيهة في شغف واغل وفيصوفية مشرقة ، ثم يقربها من فمه فيقبلها قبلة طويلة عميقة ، تشترك فيها كل خالجةوكل ذرة فيه ، وتستنفد منه طاقة يحس بعدها بالهمود والاسترخاء ... وتترقرق في عينهدموع دموع حارة ، فيستسلم بها في راحة لذيذة ، وتنقضي فترة طويلة وهو في شبهغيبوبة .
ويفيق ، فلا يحاول النظر إلى الصورة مرة أخرى ، بل يدسها برفقبالغ في الظرف ، ويغلقه بحنان ! كما لو كان يلف وليداً لينام ! .. ويضع الظرفبعناية في درج مكتبه ويغلقه بهدوء ، ويقوم فيمشي باحتراس حتى يغادر الحجرة ، ويغلقالباب في سكون .
.. إن هناك وليداً نائماً يخشى عليه الضوضاء !!!
***
ومضت أيام كثيرة يحاول أن يرى الصورة فيها . كانمطمئنا لوجود الذخيرة عنده ، وكان في نفسه شعور غريب آخر : إنه يشفق من رؤية هذهالصورة ، وإنه ليرتعش حين يفتح درج المكتبة ليتناول منه شيئا ، ثم هو يحس بشعورالعابد الورع حينما يقترب من الهيكل ليناجي المعبود المقدس . وكل هذه الأحاسيسالمجتمعة كانت تصده عن المحاولة ، تلك الأيام الطوال .
وذات يوم يجد فينفسه لهفة تتيقظ للصورة ، ويفتح الدرج في عجل ، يتلمس الصورة في مكانها فلا يلقاها .
وأحس بفزع ، فراح يعيد الفحص بين الأوراق في هدوء ونظام أول الأمر ،ثم في عجلة واضطراب بعد ثوان .
وعبثا يحاول أن يعثر عليها .. لقد قلبالأوراق رأسا على عقب ، ثم ترك الدرج وراح يقلب في الأوراق فوقه ، ثم ترك المكتبوراح يفحص في أدراك الكتب ، وفي كل مكان في الحجرة على غير جدوى ! .. يا للشيطان ! .. أين ذهبت الصورة ؟
راح يسأل أفراد الأسرة واحدا واحدا ، وراح يقلبكل ما في البيت ويبحث حتى في غير المظان .. ولكن جهوده كلها ضاعت سدى ..
وجلس حائراً مكدوداً . أين ذهبت الصورة ؟ وقام يعاود البحث من جديد ! وتكررهذا البحث أياما كثيرة ، حتى يئس من وجودها ، وفرض الفروض الكثيرة لضياعها ... وهناأحس ما يحسه الوالد يفتقد الوليد ، يفتقده تائها خرج ولم يعد للدار . ويحز الألم فينفسه ، وتتغشاه لوعة عميقة ويعتاده لهف شديد ... ولكنها ذهبت ضياعاً !
***
ثم تمضي الأيام ، ويحس ذات يوم لهفة للحورية الهاربةمن نوع جديد ، لهفة يجد لها في روحه رهقاً ، وفي حناياه التياعا ، ويشعر أنه نفسهتتذاوب حنينا . وأنه كله ذوب متهافت إليها ، وكانت هذه اللحظة أقسى على نفسه من كللحظة سواها ، لا يستطيع أن يشفي لهفة ، وقد انقطع آخر خيوط الرجاء الضئيل في العودة .
وفي هذه اللحظة يتناول كتابا يحاول أن يهرب إليه من نفسه ، ويقلب صفحاتهعلى غير اهتمام . وهنا تبغته المفاجأة العجيبة : الصورة هنا بين طيات ذلك الكتاب !
وخانته قواه ، وأفلتت منه إرادته ، وبدا في هيئة مضحكة ساذجة غريبة : حدقتاهمتسعتان ، ونفسه مضطربة ، وصدره يعلو ويهبط ، والصورة أمامه ضاحكة لا تمتد إليهايداه !
وبعد فترة هدأ اضطرابه ، وسكن جأشه ، وعاد إليه هدوؤه ،فتناولها وضمها إليه في فرح ضمة الوليد العائد بعد اليأس والقنوط ، وراح يربت عليها .. فلو رآه أحد في هذه اللحظة لظن بعقله الظنون !
ولم تحاول الصورة بعد ذلكأن تهرب ! وقد ألفته ! واطمأن قلبه إلى أن بين يديه منها أثراً . ولم تطاوعه نفسهأن يرد إليها صورتها الأخيرة على الرغم من هتفات ضميره أن يردها إليها .
ووجد المعاذير لنفسه أمام إلحاح هذا الضمير : إنها لم تطلب منه صورهاأبداً ، وإنها لتثق أن صورتها عنده كريمة ، وأنه لن يسيء إليها بهذه الصورة أبداً ،وإنه ليتوجه إلى الصورة بإحساس مقدس .. وشعور مطهر ..........
ولو أنصف نفسهلقال : إنه لا يقوى على فراق صورتها ، فإنها آخر خيط منها ، وإنها وحدها تتمثل فيهاكل خواطر الماضي العزيز ، وكل صوره وأطيافه ورؤاه !
.
.. الأسطورة الخالدة ..
لم يخالج صاحبه شك في أنه يهذي أويمزح حينما ضغط على يده في عرض الطريق وناداه :
= ألم أقل لك : إنني سألقاهاالآن ؟ ها هي ذي يا سيدي أمامك لتصدقني !
ونظر صاحبه فإذا فتاة مبهوتةمقيدة الخطوات ، تتوالى على سيماها في لحظة شتى الانفعالات .
أما هو فقدتابع سيره ويده في يد صاحبه ، يضغط عليها كما ضغط عليها كما ضغط أول مرة . وإنهليترنح فيتظاهر بالتماسك ، وتتلاحق أنفاسه فيتظاهر بالابتسام ، حتى يصلا إلى مفرقالطريق فإذا هما يقفان !
لم يكن أحدهما بأقدر من الآخر على تحديد الاتجاه . فأما صاحبه فكان ما يزال في دهشة المفاجأة : المفاجأة من تحقق النبوءة على هذاالنحو الذي لا يعهد إلا في عالم الأساطير . وأما هو فكان ما يزال في هزة المفاجأة : المفاجأة التي تنبأ بها منذ لحظة ، ثم هو يتلقاها كمن لا ينتظرها بحال !
وحينما طال بهما الانتظار ، صحا صاحبه قبله من دهشته ، وحسب أنه يسدي إليهخيراً إذا هو عاد به أدراجهما في الطريق ليواجهها مرة أخرى !
ولم يكن هوزاهدا في محاولة هذا اللقاء ، ولكنه كان في هذه اللحظة يستطيع أن يواجه الشيطان ،ولا يواجه الفتاة التي تهتف به كل ذرة في كيانه أن يلقاها الآن !
لقد تنبهتفيه غريزة الخوف من الخطر حينما رأى نفسه يكاد يستسلم لمحاولة صاحبه ، فيمثل دورالفراشة التي تتهافت حتى تحترق على نور المصباح . فإذا هو يمرق بصاحبه إلى ممر يؤديإلى شارع آخر نواز للشارع الخطر ، وهو يزعم لصاحبه أنه يقصد إلى مشرب هنالك خاص ،حتى إذا صارا في الشارع الأخير ، أحس انه يلتقط أنفاسه ، وأنه في مأمن من جاذبيةالتيار .... فوقفا يستريحان .
***
كان صاحبه يعلمقصته منذ نشأتها . بل كان يعيش معه القصة في كل فصولها ، وكان يعلم أنه قد مضى علىآخر لقاء لهما عام كامل بعد أن وقع بينهما ما وقع ، مما يؤذن بانفصال لا رجعة فيه ،وبعد أن انتهى بينهما كل شيء ولم يبق إلا الذكريات .
وكان صاحبه يعلم مرارةالذكريات وحلاوتها ، تلك المرارة وهذه الحلاوة اللتان يمزجهما في كأس واحدة ،يخشاها أبدا ، ويحن إليها أبدا ، ولا يفتأ يتشهاها مرة ، ويجفل من مسها مرة ، ويصوغذلك كله في قصائده وأغانيه ، بل يتخذ من ذلك كله مادة حياة .
كان كل شيء قدانتهى ، وانتهى بالصورة التي يعييه أن يحاول بعدها وصل ما انقطع ، أو رجع ما فات ،كانت كبرياؤه تأبى عليه أن يعود ، وكانت مرارة الذكرى تطغى على حلاوتها في معظمالأحيان ، وكانت تجربته تذكره دائماً بالآلام .
ولكن هذه التجربة وتلكالكبرياء لم تكن واحدة منها بمستطيعة أن تصرف طيفها عنه ، أو تمحو صورتها من نفسه ،أو تصرفه إلى حياة أخرى غير الحياة التي رسمها خياله معها . كانت قد استحالت فيحياته إلى أسطورة خرافية تسيطر على هذه الحياة .
وكان يزعم لنفسه أو تزعمله نفسه – حينما يسترجع مرارة الكأس المسمومة – أنه قد انصرف عنها ، وأن الأسطورةالخرافية قد تنحت عن مجرى حياته ، فهو يصرف هذه الحياة كيفما يشاء !
وتحدثبهذا الزعم لنفسه مرة ، وتحدث به لصاحبه مرات . ولكنه كان يحس في أعماقه ، وهن هذاالزعم وتهالكه ، فيزيده هذا الإحساس توكيداً لما يزعم ، ومجاهرة بما يدعي ! ،كالخائف يهتف بالقوة والتحدي ليتشجع في وجه أشباح الظلام !
وكثيراً ماراوده صاحبه على أن يحاول العودة والاتصال – وهو يعلم من دخيلة نفسه ما يعلم – فكانهذا يزيده إصرارا على كبريائه ، واستعادة لمرارة الذكرى ، وادعاء بأنها لم تعدشيئاً في حياته . وإن كان يتخاذل في بعض الأحيان ، فيعترف له بأنها أعمق في نفسه منهذا الادعاء ومن تلك الكبرياء ، وأن الذي يعصمه من محاولة العودة إنما هو مرارةالذكرى ووخز الأشكواك .
ثم تلت ذلك فترة أحس فيها حقيقة بأن عالمه قد خلامن تلك الاسطورة اللعينة ، ولكنه لم يسترح لهذا الإحساس .
لقد شعر بالفراغوالجفاف ، وانتابه ما ينتاب المؤمن بعد الإلحاد ، وما يصيب الصوفي بعد الضلال !
لقد خلا الهيكل من الصنم المعبود ، واستوحش الصوفي من سبحات الشهود ،وران على نفسه وعلى العالم كله ظلام وخمود
لقد عادت الحياة تكلفا لايطاق ، وراح يقطعها كما يقطع الأجير المسخر أيامه ولياليه في العمل المجهد الكريه ،وليس له منه إلا أجره الزهيد !
ألا ما أشقى الملحدين الحيارى الشاردين عنالهيكل ، ولو كانت تعمره الأصنام !
***
واليومبعدما انقضى عام كامل – كان قد تناول الغداء مع صاحبه هذا وصديق ثالث لهما . وهمثلاثتهم من أصدقاء الصبا ، ولكل منهم قصة في حياته تنتهي بالحرمان على نحو منالأنحاء ، ولكل منهم موسم يتحدث فيه عن قصته حينما تبدع يد القدر فيها فصلا جديداً، فحيثما ضمهم مجلس تسللت إلى أحاديثهم قصة من قصصهم الثلاث !
وبعدالغداء ذهب الصديق الثالث لبعض شأنه ، بعدما قص على صديقيه فصلا من فصوله ، هاجصاحبه لأن يقص عليه بدوره فصلا من قصته : وما يكاد صاحبه ينتهي من هذا الفصل الأخيرحتى تنبض في نفسه لهفة خاطفة ، وحتى ينسى كبرياءه وادعاءه ، وينسى مرارة تجاربهوذكرياته ، وحتى يفضي إلى صاحبه بهذه اللهفة العارمة :
= كم أنا مشتاق إليها ! إن المصادفات التي كانت تبيح لي لقاءها مرة ومرة – أيام أن لم يكن لقاؤنا رهنالمصادفات – عادت تضن بها اليوم على مدار العام !
قال له صاحبه :
= إنالأقدار لحريصة على حبكة الرواية !
فمضى هو في لهفة حديثه : ترى كيف هي الآن ؟أريد أن أعلم أي خبر عنها ، بل أريد فقط أن ألمحها من بعيد . ترى تغيرت ؟ أم ماتزالكعهدي بها منذ آخر لقاء ؟
ثم ينتفض واقفا من المقهى الذي كانا يستريحانفيه ، ويأخذ بيد صاحبه ، وإنه ليكاد يدفعه دفعا إلى السير في الطريق العام .
وقال له صاحبه – بعد مسيرة خطوات :
= إنني اهم أن أفترق عنك لشأن خاص
فتمسك به وهو يقول :
= كلا ! لن تتركني . فسنتسكع هنا !
ويسكت لحظةليقول – وكأنما يستشرف لرؤيا من بعيد :
= أحس انني سألقاها الآن .
فيتهكمصاحبه ويجيبه مداعبا :
= إذن أتركك تستمتع بهذا اللقاء !
وإنه ليخشى أن ينفذصاحبه وعيده ، وأنه ليحس برعشة في كيانه كمن يواجه الخطر ، فيقول :
= كلا ! لنتتركني . فإنني لأفضل إذا لقيتها أن تكون معي ، كما يحسن أن تكون معي لو كانت صدمةقطار أو صعقة تيار ، ثم يتلو أبياتا من إحدى قصائده في هذا السياق .
وإنه ليمدبصره ، فإذا المفاجأة المنظورة ، وإذا الخطر المرتقب على بعد خطوات .
يا للسماء ! بل يا للشيطان !
إنها الأسطورة الخالدة في صورة من صورها الكثيرة . وهل كانتالقصة كلها إلا أسطورة في عالم الخرافات .
***
حينما هدأ روعه ، واستقرت قدماه في الشارع الموازي للشارع الخطر ،كان في حاجة ماسة إلى الوحدة والانفراد ، كان يحمل في وطابه ثروة مفاجئة ، يريد أنيستعرضها وحده في خفية عن الأنظار !
قال له صاحبه :
= والآن إلى أين؟
قال :
= إلى الضاحية
قال الصاحب :
= وهو كذلك لتستريح !
وسار به مرة أخرى إلى الشارع ليركبه الترام ، فلم يحس هذه المرةبالرهبة من الشارع الخطر ، ولم يحس باللهفة عليه أيضا .
لقد كان في وطابه منالثروة ما بشغله عن الرهبة واللهفة جميعاً .
وحينما انفرد في الترام كان فيغيبوبة حالمة . كانت الأشياء والمناظر والأشخاص تتوالى على عينه المفتوحة كماتتوالى الأطياف الغامضة والرؤى اللطيفة ، فلا تترك في حسه إلا ظلالا خفيفة . ومعهذا فقد كان يود الخلاص من هذه الظلال . كان يضم جوانحه في رفق على ومضة من عالمالخلود ، لا يجوز أن تخشاها ظلال الزحمة الفارغة في عالم الهالكين .
ثمركب قطار الضاحية ، وإنه ليركبه كل يوم في الصباح والمساء ، وإنه ليضيق به فيالأيام الأخيرة وبما يثيره من الضجيج والغبار ، ولكنه اليوم لا يشعر بهذا الضجيج ،ولا يلتفت لهذا الغبار . >>
وإن القطار ليخرج من العمار إلى الصحارى فيساعة الغروب ، وإنه ليرسل ببصره كالحالم في هذا الفضاء الجميل ، وكأنما يراه أولمرة في هذا الأوان !
***
في هذا المساء كانكالحالم المخدور ، فإذا صحا فليستعيد في خياله موكب الصور المتزاحمة في تلك اللحظةالمليئة ، وليحاول أن يتخيل كيف كانت سحنته وملامحه بعدما لمح كالبرق سحنتهاوملامحها وليسأل نفسه كالأطفال :
أكان يبدو علي التماسك وعدم المبالاة ؟
أمكنت خائراً مضعضع القوى ؟
أكنت منفرج الملامح باش السمات ؟
أم كنت مقطبالوجه مغضن الجبين ؟
ترى أسأت إليها بجمودي وقلة مبالاتي ؟
أم ترى استشفتخواطري وانفعالاتي ؟
ما الذي كانت تفعله لو لم يكن معي صاحبي ؟
ما الذي كنتأفعل لو لاقيتها منفرداً ؟
وهكذا وهكذا من هذه الأسئلة الطفولية الساذجة ،التي لا يطمئن فيها إلى جواب ، والتي كانت تخطر له ببال ، لولا الأسطورة التي تظللحياته ، وترده في كثير من الأحيان إلى خواطر الأطفال ، ولكنه مع هذا كله لم يكنقلقا ولا مهتاجا ، كان هادئ القلب ، رضي النفس ، نشوان الخيال . لقد أرضاه أنهالاتزال بعد هذا العهد الطويل تضطرب هذا الاضطراب حين تلقاه ، وأنه يستطيع أن يتظاهربالتماسك في وجه هذا الاضطراب !
ولقد أرضاه أنه لا يزال يحمل الشعلةالمقدسة بين جنبيه ، ويملك هذا السر الذي كان يحسبه قد تاه : سر التوجه إلى الصنمبمثل هذه الحرارة ومثل هذا الاختلاج !
ولقد طمأنه أن صاحبه يقرر – وقد رأىمنهما ما راى – أن الستار لم يسدل بعد ، وأن الرواية لم تتم فصولا ، وأن في الجعبةمخبآت . لقد استمع إلى نبوءة صاحبه هذه في لهفة واشتياق كما يستمع إلى أسعدالبشريات !
***
وكان في الأيام الأخيرة قد ضاقبالعاصمة في حر الصيف ، وبرم بالعمل في وقدة الحر ، وتجاوز الضيق دائرة العملودائرة القاهرة ، فشمل الحياة كلها ، وشمل الناس والأشياء ، وكان قد اعتزم أن يرحلعن العاصمة الكريهة إلى جهة ما ، وأن ينجو بنفسه من هذا الضيق المحطم للأعصاب . ولولبضعة أيام .
فأين صارت منه العزيمة بعد ساعات ؟
إن القاهرةلحبيبة ، وإن الحياة في هذه الدنيا لجميلة ، وإن في الكون الواسع لفسحة للآمال ،وإنه لن يبرح القاهرة ، ولو لبضعة أيام .
أبيس في القاهرة هذا الطريق العام؟
أولم يلقها مصادفة في هذا الطريق العام ؟! ...............
.. عارية ..
بعد عام ونصف عام لاقاهالضابط الشاب – صاحب الماضي الحي – في الطريق العام ومعه فتاة ! ..لقد دهش أولالأمر ودفعه حب الاستطلاع لأن يعرف من تكون الفتاة .. لعلها أخته أو قريبته . إلاأن هاجسا كان يهتف في اعماقه : كلا كلا إنها شيء آخر في حياة هذا الشاب.
كيف يعرف ؟ ليته يستطيع أن يسأل كائنا من كان
ولم تطل به الأيام في هذاالشك والقلق ، فلقد لقى الشاب مرة أخرى وحيداً . لقيه في الترام فما لبث أن سلمعليه ، وأخذ معه في الحديث .
قال :
= لقد عدتَ من السودان !
= نعم منمدة !
= وكيف الحال الآن ؟
= الحمد لله .
= ألا تزال تسكن هناك !
= نعم في نفس المنزل .
وخاف أن يستمر الحديث هكذا حتى ينزل من الترام ، فعرجعلى المسألة التي تضطرب في نفسه من بعيد .
= لقد شاهدتك منذ ايام في شارعفؤاد فلم أسلم عليك لأنك لم تكن وحدك .
= آه .. كانت معي خطيبتي !
= خطيبتك؟ وهل خطبت غير .... ؟
= ماذا أصنع ، إن أمي لم تقبل أبداً ، ثم هي . لقدقابلتها فلم تسلم علي ّ !
= معها حق ! ( قالها في راحة وفي حنق مكتوم ) .
= إن أهلي جميعا شديدو الحنق عليها . إنهم يشيعون عنها إشاعات كثيرة ، ويشوهون سمعتهافي كل مكان ، ويقولون عنك أنت : إنك تركتها لسوء سلوكها ، وقد ساءت سمعتها فعلا فيالحي كله ! فتركوه إلى حي جديد .
همّ أن يصفعه في هذه اللحظة . ولكنه أمسك نفسهوهو يقول :
= أنا ؟ أنا تركتها لسوء سلوكها ؟ من قال ذلك ؟ إن الذي يقول هذاكذاب . إنها مسكينة . إنها ضحية الرجولة الناقصة في شبان الجيل !
وكان الترامقد وقف ، فاستأذن الشاب ونزل ، قبل أن يسمع بقية الشتائم التي كانت ستنفجر لو طالالحديث !
***
لم يستطع ان ينام ليلته . لقد كانيساوره القلق ويخز ضميره الندم. من يدري أن له يداً في تعطيلها عن الزواج ؟ إنخطبته لها كانت قد عرفت في وسطها كله ، فمن يستطيع أن يعرف الحقيقة ؟ من الذي لايظن أن فصم الخطبة كان لشيء علمه عنها مما يسيء ؟ وهل الناس مستعدون أن يقدرواحقيقة الموقف ؟ وهل لديهم الوقت الكافي للبحث والمعرفة ؟ إنها كانت محسودة فيأسرتها لجمالها وذكائها وزواجها ، وإنهم سيجدون في فصم الخطبة بعد عقدها مادة كاملةلشفاء أنفسهم من الحسد الكظيم . ثم ألم يكن هو الذي منعها من هذا الشاب ؟ حقيقةإنهم رفضوه أول مرة ، ولكن من يدري أنه لولا وجوده في المرة التالية .. لقبلوه ..... مسكينة .
مسكينة . ليته يستطيع اليوم أن يصلح هذه الأخطاء !
وأدركته سنة من النوم ، فوجدها . وجدها عارية تتوارى في عينيه في انزواء . ودار بينهما حوار : هو يريد أن يلقي عليها رداءه ليسترها ، وهي تمتنع وتتوارى ... ثم ... ثم تعتذر له من دعوتها لمرافقته :
= إنني كما ترى عارية ، لا أستطيعالتعرض للأنظار ! ....... ثم إنني لست ......... عذراء ......!
***
كان هذا الحلم من وحي الوساوس التي ساورته في اليقظة ، ولكنه تركفي نفسه أثراً عميقاً . لقد طبع في خياله حقيقة واضحة حتى لتحس . حقيقة أليمة مؤذية، لا يقر له من بعدها قرار : أتكون حقيقة كما قالت في الحلم ؟ أيكون امتناعها عليهلهذا السبب ..... ؟ هي ؟ هي حوريته الهاربة ؟ هي عذراؤه الطهور ؟ هي ... هي ؟
وفي مساء اليوم التالي كان في منزلهم على غير انتظار .
لقد دهشت حينمارأته دهشة شديدة ، ودهش كل من في البيت أيضاً . إن كل شيء قد انتهى إلى غير رجعة ،فما الذي يرجعه الآن ؟
وقال لهم في لهجة عميقة صادقة :
= هل أستطيعأن أستأذنكم في أن أخلو بسميرة دقائق قليلة ؟ إن لي معها حديثاً للمرة الأخيرة ! .. وكانت الحواجز بينهما معدومة – على الرغم من كل ما وقع – فلم يجد ممانعة من أحد ،فكل من حولها يتمنون رجع ما فات .
وجلس بجوارها على أريكة واحدة ، وأخذيدها بين يديه في اضطراب ، ونظر في عينيها بشدة يريد أن يستجلي سر الحلم الرهيب . إنه ليهب نصف عمره لمن ينبئه بالسر المرهوب .
قال :
= اسمعي يا سميرة . لعلك تستغربين عودتي الآن ...
قالت :
= كلا . لقد كنت اتوقع في كل يوم أنتعود !
قال :
= نعم هذا صحيح . أتذكرين يوم أن لقيتك بغتة في الطريق بعدالانقطاع ؟
قالت :
= لقد كان منظرنا يومها غريباً !
قال :
= والآن . باختصار . أريد أن أقول لك : إنني لقيت (( ضياء )) وعلمت منه حقيقة موقفك .
قالت وهزت كتفها ساخرة :
= ضياء ! ألا تزالان تلتقيان ؟
قال :
= لا . لقد قابلته مصادفة ومعه خطيبته !
قالت بنفس اللهجة :
= لقد علمت !
قال :
= ولقد رأيت حلماً أزعجني فجئت لأستوثق !
قالت :
= متشكرة . ولكن لندع هذا الحديث ، فما عاد يجدي بعد الآن .
قال في حرارة :
= إنك لاتدرين حلمي الرهيب . إنه رهيب حقاً . إنني أكاد أجن !
قالت في دهشة :
= وماحلمك ذاك ؟
هنا تلعثم وبدا عليه الاضطراب . بأي حق يواجهها بهذه التهمة الكبيرة؟ ألمجرد أنه رأى حلما من الأحلام ؟ وأحس في هذه اللحظة أنه ظالم لها ، ونظر فإذاعيناها تطل منهما البراءة ، فعادت إليه ثقته الوثيقة .
قال في تلعثم :
= على أي حال هبي ما قد حلمت به صحيحاً فإنني مستعد أن أغفر كل شيء . إنني أقبلك علىكل وضع من الأوضاع ! ..
قالها في صوت عميق النبرات ولم يدر إن كانت فهمت . ولكنها قالت في هدوء :
= من الخير أن نبقى هكذا أصدقاء . من الخير لي ولك ،إنني في حاجة لأن أحس أن هناك صديقاً ، وأنت رجل شاعر فلتمض إلى عملك الأدبي كفنان !
قال ، وقد حسب انها تتجمل ولا تنوي ما تقول :
= لا يا سيدتي . إن كانالشعر لا ينضجه إلا الحرمان ، فأنا سأطلق هذا الشعر من الآن !
قالت في لهجةجازمة :
= كلا يا سامي .. إن عملك الأدبي أدوم وأخلد . إنك لا تزال مخدوعا فيقيمتي ، إنني لا أساوي شيئاً ، ولكن لتظل هكذا مخدوعاً من بعيد لتستطيع أن تنشيءشعراً وقصصا . لقد سمعت قصصك الأخيرة في (( الراديو )) وهي قصص مؤثرة وجميلة ، إنكتتحدث فيها عن (( الحورية الهاربة )) فلتتحدث عن هذه الحورية ما استطعت . فلو أنكعرفتها على حقيقتها لما كتبت كلمة واحدة بعد الآن !
وأحس في تعبيرهانضوجا كاملا لم يعهده من قبل . نعم إنها كانت على استعداد لهذا النضوج ، وكانتبوادره تلوح في بعض تصرفاتها وبعض تعبيراتها ، ولكنها كانت أبداً الطفلة المرحةالعابثة ، تفتن في وجوه الشيطنة لتغيظه وتحنقه ، ثم تنفجر ضاحكة في اللحظة المناسبة، حتى سماها (( الطفلة الشقية )) مع ما يبدر منها في بعض الأحيان من بواكير النضجوالاستواء .
فقال :
= أراك يا سميرة تتحدثين بلغة الروايات ، وأخشى ان تخلطيبين الحقائق والخيالات ، هذا الذي تقولينه يصلح للقصص ، ولكنه لا يصلح للحياة !
قالت :
= كلا! إنني أعرف الحقيقة وأعيش فيها ، إنما أنت الغارق في الأحلاموالخيالات ، وإنه لمن الخير لك ألا تعيش في الحقيقة وأن تبقى هكذا في الأحلام !
وارتفعت في عينه درجات وهي تقول هذه الكلمات الأخيرة ، وزاد حرصه عليهاوشغفه بها ، ولم يبال الأشواك والأحلام !
قال :
= ولكنني لن أترك كل هذهالثروة تفلت من يدي بعد الآن !
قالت :
= يا لك من رجل طيب مخدوع .. لقد غركالبريق !
قال :
= فليكن ، ولا بد أن ننتهي إلى قرار ، فقد طال الحديث . وهمينتظروننا في الحجرة المجاورة .
خفضت بصرها ، وألقت بالكلمات كأنها صادرةمن بعيد :
= اسمع يا أخي ، إنني لا أصلح لك . إن حياتنا لن تستقيم . إنني عارية، عارية أمامك ، ولن أقف عارية أمام إنسان !
(( عارية ؟ )) قالتها بنفساللهجة التي سمعها في الحلم ، وانتظر أن تكمل ما قالت ... ولكنها لم تقل شيئاً ،فظل يحدق فيها بشده وهو منصرف إلى صورتها الأخرى في المنام !
قالت :
= مالكتنظر إلي هكذا !
قال :
= أليس عندك ما تزيدين ؟
قالت :
= كلا ! فهذاهو قراري الأخير .
قال يغمغم :
= والحلم ؟
قالت :
= أي حلم تريد ؟حلمك ! إنك لم تفصح لي عنه بالتفصيل .
هنا عاوده اضطرابه ... أيفضي إليهابالحلم الفظيع ؟
قال :
= اسمعي يا سميرة ( وضغط يدها بين يديه ) لقد قلت لكإنني على استعداد لأن أغفر كل شيء ، كل شيء ، أيا كان !!!
حدقت في عينيهبشدة ، وانفجرت تبكي !
رباه ! ما دلالة هذا البكاء ؟ أهي الحقيقة المفزعةتواجهها فتبكي ؟ أم هي التهمة الأليمة تصيبها فتتلوى ؟ من ذا يعطيه اليقين ويسلبهالحياة ؟
ثم افاقت لتقول :
= ألم أقل لك إن حياتنا لن تصلح بعد الآن ؟
قال :
= ولم لا تصلح ؟ وماذا جد الآن ؟
قالت :
= لا تغالط نفسك ،إنك لن تثق بي مرة أخرى ، لا يخدعنك أنك تشعر في لحظة ما بالتسامح الكبير . إن هذهاللحظة ستزول ، ستزول عندما يضمنا بيت واحد ، وعندما يطلب كلا من صاحبه تبعاتالحياة المشتركة ... بربك تصور أنني كنت سائرة معك في الطريق فلقينا ضياء ! ألاتثور في نفسك المعركة من جديد ؟ ألا تتزاحم في خاطرك الصور من جديد ؟ ألا تهجم عليكهواجسك من جديد ؟ أيمكن أن تستقيم بعدها حياة ؟
......... والأحلام ؟ من ذايعصمك يا صديقي من هذه الأحلام ؟
ثم ابتسمت وبدا على وجهها حنان الأم للطفلالمخدوع !
وقال هو في ذهول :
= وأنت .. ما خط سيرك في الحياة
قالت :
= سأعيش راهبة .
قال :
= هذا يخيفني من أجلك
قالت :
= اطمئنإذن .. فسأقبل أول طارق من عرض الطريق دون سؤال أو استفهام !
وأحس بأنالموقف قد انتهى ، وأنه لا سبيل إلى زيادة كلمة واحدة .
قالت وهي تنهضوتشدّ يده :
= لنكن أصدقاء !
فأجاب في صوت خافت :
= وهو كذلك . فلنكن أصدقاء !
... أحلام .. .
كان يقول لها – أيام كانا يلقيان – إنني أستطيع أن أشمرائحتك وأميزها من بين ألف فتاة في الظلام ! وكان هذا يسرها ويستخفها ، فتحاول أنتخفي سرورها وخفتها بالتهكم وبالدعابة ، فتقول : (( إن حاسة الشم قوية جداً عند بعضالمخلوقات )) فيضربها على يدها ويتضاحكان .
***
ولم يدر في ذات يوم – وهو يسير في شارع سليمان باشا نحو شارع فؤادما الذي جعل هذه الذكرى تقفز إلى خاطره بعد اعوام ..
ولكنه يدري أنه اندفععلى الأثر يشق زحام الخارجين من السينما القريبة وهو يفتش في الزحام عن شيء لايتبينه في ذهنه على وجه التحقيق .. ثم كانت المفاجأة عندما استدار احد هذه الوجوه ،وحين نظرت إليه – كما نظر إليها – وفمها مفغور وحدقتاها متسعتان ، وهي تقول في دهشة :
= اوه .. أهذا أنت يا سامي !
قال في ابتسامة بلهاء :
= نعم أنا !
ومدت إليه يدها في اندفاع وصافحته بحرارة ، وهو مستسلم لا يكاد يحرك أصابعه، وحانت منها التفاتة خاطفة إلى أصابعه في كفها فراحت تقول :
= ألا تزال وحيداًكما أنت ؟
قال :
= هذا لا يهم على كل حال .. وأنت ؟
ثم التفت إلىالطفل الصغير الذي يمسك بطرف ثوبها وينط وهو يسير بخطوات قافزة صغيرة ، وقال :
= أهذا ابنك ؟
قالت :
= نعم !
وقبل أن تنطق لفظتها كان قد انحنىعلى الطفل فرفعه بين يديه وتفرس في وجهه ، ثم أهوى عليه بقبلة في أنس وألفة ، وفيحنان ولهفة .. إنه يعرف هذا الوجه ، يعرفه جيدا ، وإن لم يكن رآه قبل الآن
وتابعحديثه معها :
= أهو وحيد ؟
قالت :
= نعم لم يأت سواه
وما اسمه ؟
قالت : ( سمير )
كاد يصيح من الدهشة ولكنه تماسك ، وتظاهر بالسكونورددت شفتاه في شبه همس :
= سمير ؟ غريبة !
قالت :
= أليس هو هذا اسمكالمختار
قال :
= أي نعم ، ولكن ....
ثم نظر إليها فإذا هي تنكس بصرها، وتبدو في عينيها ظلال معركة ، فماتت على شفتيه الكلمات ، ومد يده فأخذ بيد الطفلالأخرى .. وساروا ثلاثتهم ، لا يشك أحد ممن يراهم في أنهم طفل ووالدان .
***
كان قد جرب مرة ومرة – في أيام الفراغ – أنبعض الوجوه تلفته إليها . ثم كشف مرة أن في كل وجه يلفته شبها قريبا أو بعيدابالوجه الخالد في ضميره ، فعرف سر هذا الالتفات !
وكان قد استيقظ لنفسهوميوله ، فعرف أنه يحب من الألوان ما رآه يوما عليها ، ويحب من السمات ما يقرب منسماتها ، ويحب من الطرقات ما سارت مرة فيه ، ويحب من الأماكن ما التقيا مرة هناك ،فآمن أنه مقيد مقود ، وأنه لا يستطيع أن يتجه إلى وجه جديد .
ولم يحاول فيأول الأمر أن يعرف من اخبارها شيئاً ، فاللقاء الأخير كان ينذر بالنهاية الأخيرة . وكان يرى في اهتمامه بها بعد ذلك نوعا من الضعف يستكبر عليه ولا يرضاه .
ثمانقضت فترة أخرى ، فانقلب هذا الشعور ، وبات ملهوفا على خبر من أخبارها ، أو أثر منآثارها ، وكم مرة بعد مرة دافعته يده إلى القلم ليكتب إليها أو لأحد من أهلها .
ولكنه كان يمسك نفسه من تلبيه هذا الخطر الداهم حتى يثوب إليه هدوؤه ، وحتىتذهب عنه سورته ، فبسكن إلى أن يعتاده هذا الخاطر بعد أيام .
ثم انقضت هذهالفترة أيضاً . وعاد لا يريد أن يعلم من أخبارها شيئاً ، لا لأنه لا يريد أن يعلم ،ولا لأنه يستكبر على أن يعلم ، ولكن لأنه يشفق من شيء يتوقعه . ولا يتصور كيف يكونوقعه على نفسه إذا كان !
وكان له في كل يوم لقاء معها ، ولكن في الخيال ،وحوار يدور بينهما ، ولكن في الخيال . وكثيرا ما استيقظ لنفسه ، وهو يبسم أو يتجهم، ويشير بيديه وقسماته ، بينما هو منفرد في البيت أو في الطريق !
كان يحسأنها له وحده ، ولا يمكن أن تكون لأحد سواه . وكان يشعر أنها اعطته وحده مالاتستطيع أن تعطيه أحدا سواه . وكان يتصور أنه ترك عليها ظله فلم تعد تصلح لأحد سواه . وكان يعتقد أنها ملكه وحده ، ولو لم يكونا رفيقي حياة ,
لقد بنى فيأحلامه عشها المنتظر ، ولقد مضى بخياله يطوي الأيام ، ولقد عاش في هذه الأحلام عيشةالواقع ، واستغرق في هذا الخيال حتى لم يعد يفرق بينه وبين الحقيقة !
وماالفرق بين الخيال والواقع ، إذا كان كلاهما يستجيب له القلب والذهن ، ويترك آثارهفي النفس والحياة ؟
وما الفرق بين الحلم والحقيقة ، وكلاهما طيف عابر ،يلقي ظله على النفس ثم يختفي منه من عالم الحس بعد لحظات ؟
على أية حال ،لقد عاش أحلامه ، وجسم خياله ، فكانت هذه المخلوقة رفيقة حياته ، ومعها عاش في العشالدافئ ، ومنها بلا شك كان له طفل !
طفل وحيد .... فما كان يتصور أن تلد لهأكثر من طفل واسمه (( سمير )) ، فما كان يتصور أن يكون اسمه غير سمير . وهو طفل منلحم ودم ، حدثها عن شكله وسمته ، فهو طفل معروف السحنة واضح السمات !
هوسمير .. هذا بعينه الذي يراه الآن !
***
مر هذاالشريط كله في ذهنه ، وهما يدلفان إلى محطة الترام ، في غير انتباه . وجاء الترام ،فصعدت إليه في حركة آلية ، وهو يساعدها ، ويُصعد إليها (( سمير ))
وعندماتحرك الترام أدركته صحوة مفاجئة ، ونظر فإذا هي كذلك تلوح له بمنديلها ، ثم تجفف بهقطرات من الدموع !
وفيما يشبه الذهول وجد نفسه يعدو خلف الترام .. ثم ثقف فجأةكأنما سمر في مكانه :
= ماذا ؟ إلى أين ؟ إنها ليست لك الآن ! إنها ذاهبة إلىهناك !
وأحس بالدوار ..
ولكنه أفاق :
= سمير ؟ غريبة ! ... أليس هذاهو اسمك المختار ؟
= كلا ! إنها لك . لك أنت وحدك برغم كل ما كان . لقد ألقيتعليها ظلك ، لقد طبعتها بطابعك ، لقد وسمت طفلها باسمك الذي اخترته ، إنها لك ، ولنتصلح لحد سواك !
= أحلام !
= أحلام ؟ وما الفرق بين الحلم والحقيقة إذا كانكلاهما يستجيب له القلب والذهن ويترك آثاره في النفس والحياة ؟
= خيالات !
= خيالات ! وما الفرق بين الخيال والواقع ، وكلاهما طيف عابر يلقي ظله علىالنفس ثم يختفي من عالم الحس بعد لحظات ؟ .............
تمت
وبحمد اللهوتوفيقه

</SPAN>
-->
من مواضيع د-سلام

د-سلام غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
تحميل رواية ورود في مزبلة الواقع رواية رومانسية واقعية جريئة,لـ متكحلة بدم خاينها تمـَرٍدْ ~ً قصص و روايات 2137 02-19-2011 11:22 PM
تحميل رواية السجينة كاملة تمـَرٍدْ ~ً قصص و روايات 314 01-10-2011 10:14 AM
رواية عفتك وعفت قلوب ممشاك كامله تمـَرٍدْ ~ً قصص و روايات 519 12-14-2010 10:04 PM
رواية بنات اون لاين - تحميل رواية بنات اون لاين كامله تمـَرٍدْ ~ً قصص و روايات 883 11-15-2010 06:25 PM
رواية ايام عمري باللهجه السعوديه كاملة تمـَرٍدْ ~ً قصص و روايات 352 07-07-2010 11:48 AM


الساعة الآن 07:23 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.6.0 TranZ By Almuhajir