منتديات هتوف  

العودة   منتديات هتوف > إسلامُنـا > سيرة الرسول - تاريخ الرسول - غزوات الرسول

سيرة الرسول - تاريخ الرسول - غزوات الرسول سيرة الرسول صلى الله علية وسلم



Like Tree2Likes

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 03-19-2011, 06:03 AM   #1


 

 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 21,134
معدل تقييم المستوى: 3799387
حزن الشمال n has a reputation beyond reputeحزن الشمال n has a reputation beyond reputeحزن الشمال n has a reputation beyond reputeحزن الشمال n has a reputation beyond reputeحزن الشمال n has a reputation beyond reputeحزن الشمال n has a reputation beyond reputeحزن الشمال n has a reputation beyond reputeحزن الشمال n has a reputation beyond reputeحزن الشمال n has a reputation beyond reputeحزن الشمال n has a reputation beyond reputeحزن الشمال n has a reputation beyond repute



(adsbygoogle = window.adsbygoogle || []).push({});
الحديث المقلوب - تعريفه، وفوائده، وحكمه، والمصنفات فيه

بسم الله الرحمن الرحيم
الحديث المقلوب - تعريفه، وفوائده، وحكمه، والمصنفات فيه
د. محمد بن عمر بن سالم بازمول
الأستاذ المشارك بقسم الكتاب والسنة - كلية الدعوة وأصول الدين - جامعة أم القرى
ملخص البحث
الحديث المقلوب من أنواع علوم الحديث!
وقد قام الباحث بدراسة موضوعية تعريفية، ناهجاً سبيل التحليل والعرض لبيان هذا النوع وإلقاء الضوء عليه، فبدأ بتعريف الحديث المقلوب مستعرضاً كلام أئمة المصطلح، واقفاً عند عباراتهم لاستبيان مرادهم رحمهم الله في التعريف، وقدّم في نهاية ذلك التعريف المختار
ثم ثنّى ببيان فوائد معرفة الحديث المقلوب.
وثلث ببيان حكم الحديث المقلوب، ومرتبته! وفصّل في ذلك بحسب صوره وأحواله.
ثم بيّن الطريق التي يُعْرف بها القلب في الحديث.
ثم أورد أمثلة للحديث المقلوب متناً.
وذكر بعد ذلك الأئمة الذين استعملوا في عباراتهم الوصف بالقلب!

وأخيراً ذكر المصنفات في الحديث المقلوب!

وجاءت بعد ذلك الخاتمة والتي تتضمن أهم نتائج البحث.
ومن هنا جاء عنوان البحث:
"الحديث المقلوب تعريفه وفوائده وحكمه والمصنفات فيه"
وقد تحرّى الباحث في بحثه أن يمدّه بما تجمّع لديه من نصوص للأئمة منثورة في ثنايا كتب التخريج والجرح والتعديل والشروح، فلم يقتصر البحث في مادته على ما جاء في كتب المصطلح!
والباحث يرجو أن يسد ببحثه هذا فراغاً في المكتبة الحديثية حيث لا توجد حسب علمه دراسة مفردة لهذا النوع الحديثي مع أهميته!
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أمّا بعد: فهذا كتاب قصدت فيه بيان الحديث المقلوب وما يتعلق به، وقد أسميته:
الحديث المقلوب
تعريفه وفوائده و حكمه و المصنفات فيه
وقسمته على تمهيد وخمسة مقاصد وخاتمة، وتفصيل ذلك هو التالي:
أمّا التمهيد: ففي دائرة الحديث المقلوب!
أمّا المقصد الأول: ففي تعريف الحديث المقلوب
أمّا المقصد الثاني: في فوائد معرفته.
المقصد الثالث: حكم الحديث المقلوب!
المقصد الرابع: كيف يعرف القلب في الحديث؟
المقصد الخامس: أمثلة للحديث المقلوب متناً.
المقصد السادس: الأئمة الذين استعملوا في عباراتهم الوصف بالقلب!
المقصد السابع: المصنفات في الحديث المقلوب!
أمّا الخاتمة: ففي أهم النتائج التي انتهت إليها الدراسة.
أسأل الله تبارك تعالى أن يتقبله خالصاً لوجهه الكريم، وأن يرزقني فيه القبول في الدنيا والآخرة، وأن يتقبل جميع عملي خالصاً لوجهه الكريم، وداعياً إلى سنة نبيه الرؤوف الرحيم صلى الله عليه وسلم.
تمهيد: دائرة الحديث المقلوب
لم يقتصر دور قلب الحديث عند حدِّ استعماله وسيلة من وسائل الكشف عن حال الراوي في الضبط، ومعرفة مدى حفظه لمرويه؛ بل تعدّى ذلك إلى كونه وصفاً يوصف به الراوي لبيان نوع وهمه وخطئه، فهو بصفة عامة من الجرح المفسر غير المجمل، كما أصبح بالاستقراء علامة على نكارة حديث الراوي بدرجات متفاوتة قد تخف إلى درجة لا تخرج الراوي عن حيز القبول، وقد تزيد إلى درجة تخرج الراوي إلى حيز الرد، بل أحياناً إلى درجة الضعيف جداً الذي لا يقبل حديثه التقوي والانجبار بتعدد الطرق.
وسيأتي ذكر الأئمة الذين كانوا يستعملون الوصف بالقلب في كلامهم عن الرجال أو في بيان حال الأحاديث، ومنها ما جاء عن شعبة (ت160ه) وحماد ابن سلمة (ت167ه)، وابن معين (ت233ه) رحمهم الله.
بل يُعْرف قدر حفظ الراوي بأنه لم يُقْلب عليه إسناد!
قال عمرو بن محمد الناقد (ت232ه): "ما كان في أصحابنا أعلم بالإسناد من يحي بن معين ما قدر أحد يقلب عليه إسناد قط"(1).
وتتسع دائرة المقلوب فتتداخل مع أنواع حديثية عديدة يأتي فيها صورة الحديث المقلوب.
ولمّا ذكر ابن حبان (ت354ه) رحمه الله أنواع جرح الضعفاء، ذكر النوع العاشر وقال: "ومنهم من كان يقلب الأخبار ويسوّي الأسانيد كخبر مشهور عن صالح يجعله عن نافع وآخر لمالك يجعله عن عبيدالله بن عمر ونحو هذا.
كإسماعيل بن عبيدالله التيمي وموسى بن محمد البلقاوي وعمر بن راشد الساحلي، وذويهم وقد رأينا في عصرنا جماعة مثلهم يُسرون الأحاديث"اه(2).
وقال الحاكم (ت405ه) رحمه الله، لمّا ذكر أنواع الجرح والمجروحين على عشرة طبقات: "الطبقة الثانية من المجروحين: قوم عمدوا إلى أحاديث مشهورة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأسانيد معروفة ووضعوا إليها غير تلك الأسانيد فركبوها عليها ليستغرب بتلك الأسانيد منهم: إبراهيم بن اليسع وهو ابن أخي حية يُحدِّث عن جعفر بن محمد الصادق وهشام بن عروة، فيركب حديث هذا على حديث ذلك، وكذلك حمّاد بن عمرو النصيبي وبهلول بن عبيد وأصرم بن حوشب، وغيرهم"اه(3).
وفي الصفحات القادمة سنتبين الحديث المقلوب وأقسامه وما يتعلق به!
المقصد الأول: تعريف الحديث المقلوب
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف الحديث المقلوب لغة
المطلب الثاني: تعريف المقلوب اصطلاحاً.
وإليك البيان:
المطلب الأول: تعريف الحديث المقلوب لغة
المقلوب لغة:

المقلوب اسم مفعول من (قلب).

ومادة "ق.ل.ب" لها في اللغة أصلان صحيحان:
أحدهما يدل على خالص شيء وشريفة.
والآخر يدل على رد شيء من جهة إلى جهة.
والأصل الثاني هو المراد هنا. ومنه:
القليب: البئر قبل أن تطوى، وإنما سمِّيت قليباً لأنها كالشيء يقلب من جهة إلى جهة، وكانت أرضاً فلمّا حفرت صار ترابها كأنه قلب فإذا طويت فهي الطَّوى ولفظ القليب مذكر. والحوّل القلب: الذي يقلب الأمور ويحتال لها(4).
المطلب الثاني: تعريف المقلوب اصطلاحاً.

المقلوب اصطلاحاً:

المقصود هنا تعريف المقلوب في اصطلاح علماء الحديث، دون غيرهم(5).

وسأستعرض هنا تعاريف أهل العلم للحديث المقلوب، مسجلاً عقب كل تعريف أورده ما لدي من ملاحظات عامة، خاتماً ذلك ببيان التعريف المختار.
تعريف ابن الصلاح (ت643ه) رحمه الله:
قال عليه من الله الرحمة والرضوان: "هو نحو حديث مشهور عن سالم جُعِل عن نافع ليصير بذلك غريباً مرغوباً فيه، و (هو) كذلك (جعل) متن هذا الإسناد لإسناد آخر وإسناد هذا المتن لمتن آخر"اه(6).
وتلاحظ الأمور التالية:
1 تابع ابن الصلاح على تعريفه الذين اختصروا كتابه أو نظموه، ومن هؤلاء:
النووي (ت676ه) رحمه الله(7).
وابن جماعة (ت733ه) رحمه الله(8).
والطيبي (ت743ه) رحمه الله(9).
وابن كثير (ت774ه) رحمه الله(10).

والعراقي (ت806ه) رحمه الله (11).
2 جرى ابن الصلاح في تعريفه على التعريف بالمثال(12)، وهو تعريف بالرسم الناقص. وفائدة هذه الملاحظة بيان أنه لا يتوجه عليه رحمه الله نقد في تعريفه من جهة أنه لم يكن جامعاً مانعاً؛ لأنه لم يقصد أصلاً التعريف بالحد التام أو الرسم التام.
3 اقتصر ابن الصلاح رحمه الله في تعريفه بالمثال على قسمين أو صورتين من المقلوب في السند، دون ذكر المقلوب في المتن. كما أنه أطلق الكلام فهو شامل لحال العمد و الوهم!
وقد ذكر ذلك ابن حجر (ت852ه) رحمه الله أثناء تنبيهه على وقوع القلب في متن حديث أخرجه مسلم في صحيحه، قال: "وقع في صحيح مسلم مقلوبا: "حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله"(13) وهو نوع من أنواع علوم الحديث أغفله ابن الصلاح وإن كان أفرد نوع المقلوب(14) لكنه قصره على ما يقع في الإسناد، ونبه عليه شيخنا في محاسن الاصطلاح(15)... وقال شيخنا: ينبغي أن يسمى هذا النوع المعكوس(16). انتهى.
والأولى تسميته مقلوبا؛ فيكون المقلوب تارة في الإسناد وتارة في المتن كما قالوه في المدرج سواء، وقد سماه بعض من تقدم: (مقلوبا)."اه(17).
4 وبناء على هذا فإن ابن الصلاح رحمه ومن تابعه وجماعة من أهل العلم، لم يأت في تعريفهم إلا القلب في الإسناد! وعلل أهل العلم سبب ذلك أنه قصداً للغالب والأكثر من صور القلب وهو القلب في السند.

قال السخاوي (ت902ه) رحمه الله: "وقسّموا (أي: أهل الحديث) المقلوب السندي خاصة، لكونه الأكثر كاقتصارهم في الموضوع على المتني لكونه الأهم"اه(18).
قال عطية الأجهوري (ت1194ه) رحمه الله: "وهذا التعريف يخص القلب في السند واقتصر عليه في التعريف لكثرته في السند وقلته في المتن"اه(19).
قال اللكنوي (ت1304ه) رحمه الله: "و(مقلوب السند) أكثر وقوعاً بالنسبة إلى (مقلوب المتن) ولذا سكت عن ذكر (مقلوب المتن) كثير من المصنفين في هذا الفن، كما أنهم اقتصروا في بحث الموضوع على المختلق متناً لكثرة وقوعه مع أنه قد يكون الحديث صحيحاً والسند موضوعاً"اه(20).
والحق الذي لا مرية فيه أن كلام أئمة الجرح والتعديل المتعلق بالمقلوب أكثره وجلّه متعلق بالقلب في السند، بل لا استحضر الآن كلاماً صريحاً لأحد من المتقدِّمين في القلب في المتن(21)ويؤيد هذا الواقع: الصور المندرجة تحت القلب في السند فإنها صورتان وصورة واحدة للمتن، وصورة مشتركة بينهما، وعدّها الأكثر من صور قلب السند.
5 ذكر ابن الصلاح في تعريفه مثالين للمقلوب، أحدهما: أن يجعل سند الحديث لمتن الآخر، وسند الآخر لمتن هذا، وهذه الصورة للقلب عدّها جمهور المصنفين في مصطلح الحديث من قبيل القلب في السند، وعدّها بعضهم من قبيل قلب المتن(22).
وقد ذكر ابن حجر (ت852ه) رحمه الله مثالاً للقلب في المتن ينطبق على هذه الصورة حيث قال: "وأمّا في المتن فكمن يعمد إلى نسخة مشهورة بإسناد واحد فيزيد فيها متناً أو متوناً ليست فيها كنسخة معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة رضي الله عنه، وقد زاد فيها.
وكنسخة مالك عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما زاد فيها جماعة عدة أحاديث ليست فيها، منها القوي والسقيم وقد ذكر جلّها الدارقطني في غرائب مالك"اه(23).

فإذا اعتبرنا أن القسم الثاني من المقلوب الذي ذكره ابن الصلاح وهو جعل متن هذا الإسناد لإسناد آخر... الخ" من المقلوب متناً فإنه يكون رحمه الله قد أشار في تعريفه إلى القلب في السند وفي المتن. وينحصر القصور في تعريفه في جهة واحدة وهي كونه لم يشمل جميع أنواع المعرّف في كل صوره أو أفراده؛ مكتفياً بالإشارة إلى محله فالقلب إمّا أن يكون في السند وإمّا أن يكون في المتن، واكتفى بالتمثيل بمثال واحد لكل منهما. وفائدة هذا: التنبيه أنه لا يتوجه نقد ابن الصلاح بأنه لم يشر إلى القلب في المتن.
6 اقتصر بعض العلماء الذين جاؤوا بعد ابن الصلاح على نحو تعريف ابن الصلاح مقتصرين على تعريف المقلوب بحسب الغالب والأكثر؛ من هؤلاء:
ابن دقيق العيد (أبي الفتح القشيري) (ت702ه) رحمه الله، حيث اقتصر على تعريف القلب في السند، مقتصراً على صورة واحدة منه وهي إبدال راوٍ في السند بآخر في طبقته(24).
الذهبي (ت748ه) رحمه الله،، حيث اقتصر على تعريف القلب سنداً، فذكر صورتين منه؛ القلب بتركيب إسناد حديث إلى متن آخر بعده، أو أن ينقلب عليه اسم راوٍ مثل: "مرّة بن كعب" ب "كعب بن مرّة"، و "سعد بن سنان" ب "سنان بن سعد"(25).

ابن الملقن (ت804ه) رحمه الله، حيث عرّف القلب مقتصراً على القلب في السند، فقال عن القلب إنه: "إسناد الحديث إلى غير راويه"اه(26).
الشريف الجرجاني (ت816ه) رحمه الله، فعرَّفه بتعريف ابن الصلاح باختصار(27).
وكذا صنع محمد بن محمد بن علي الفارسي (ت873ه) رحمه الله(28).
ومحي الدين الكافيجي (ت879ه) رحمه الله(29).

وجمال الدين يوسف ابن عبدالهادي (ت909ه) رحمه الله(30).

تعريف الزركشي (ت794ه) رحمه الله:

قال رحمه الله: "جعل إسناد لمتن آخر وتغيير إسناد بإسناد"اه(31).

ويلاحظ مايلي:
1 أن الزركشي رحمه الله اعتبر تعريفه هذا مبيناً لحقيقة المقلوب، وقاله بعد أن تعقّب ابن الصلاح في تعريفه بقوله: "لم يتعرّض للقلب في المتن"(32).
وقد قدّمت لك ضمن الملاحظات تحت تعريف ابن الصلاح أنه يمكن اعتبار ابن الصلاح قد تعرّض للتعريف بالمقلوب في المتن، على الطريقة التي جرى عليها بعضهم، حيث ذكر المثال الثاني في تعريفه: "و (هو) كذلك (جعل) متن هذا الإسناد لإسناد آخر وإسناد هذا المتن لمتن آخر"، وهذه الصورة يمكن أن تعتبر من المقلوب في المتن بالنظر إلى المتن؛ وعليه فلا تعقب على ابن الصلاح هنا!

2 بل لا بد من اعتبار ذلك في تعريف الزركشي حتى يصح كلامه في أن التعريف الذي ذكره (يعني: الزركشي) يبين حقيقة المقلوب!

وعندها يأتي سؤال: إذا كان هذا هو المراد، فما وجه تعقبه على ابن الصلاح بأنه لم يتعرّض للقلب في المتن؟

الجواب: إن تعريف ابن الصلاح بذكر المثال الثاني جاء بطريقة قد توهم أن محل التعريف عنده هو فقط قوله: "هو نحو حديث مشهور عن سالم جُعِل عن نافع ليصير بذلك غريباً مرغوباً فيه" لأن ذكره للجزء الثاني في التعريف جاء في سياق ذكره لقصة البخاري (ت256ه) مع أهل بغداد لمّا قلبوا له الأحاديث فميزها!

فكأن والله اعلم الحافظ الزركشي رحمه الله اعتبر الجزء الأول من كلام ابن الصلاح هو فقط التعريف فأورد عليه إيراده ذاك!

3 إذا تقرر ما ذكرته ؛ فلا تعقب على ابن الصلاح أصلاً من هذه الجهة، ويبقى أن يتعقب الزركشي في تعريفه بما سبق من تعقيب على ابن الصلاح من أن التعريف لم يشمل جميع صور القلب.

تعريف ابن الجزري (ت833ه) رحمه الله:

قال رحمه الله:

والخبر المقلوب أن يكون عن

وقيل فاعل هذا يسرق

قلت: وعندي أنه الذي وضع

للحافظ البخاري في بغداد

منقلب وأصله كما يجب

كمثل للفارس سهمين للفرس

إن ابن مكتوم ليل يُسْمَع

سالم يأتي نافع ليرغبن

ثم مركب على ذا أطلقوا

إسناد ذا لغيره كما وقع

والمزِّ أيضاً بابن عبدالهادي

يسبق لفظ الراو فيه ينقلب

للنار ينشيء الله خلقاً انعكس

وقبل جمعة يُصَلِّي أربع(33)

وتلاحظ الأمور التالية:

1 أن ابن الجزري رحمه الله أطلق المقلوب على صورة واحدة، منصوره، وهي: "حديث مشهور عن سالم جعل عن نافع ليصير بذلك غريباً مرغوباً فيه".

2 سمّى الصورة الثانية من صور المقلوب عند ابن الصلاح وهي: "جعل متن هذا الإسناد لإسناد آخر وإسناد هذا المتن لمتن آخر"، سمّاها

ب "المركب"، وقال: هي أولى بهذه التسمية من الصورة الأولى التي سمّاها بعض المحدثين بذلك.
وهذا اصطلاح من ابن الجزري و لا مشاحة فيه.

3 ذكر صورة القلب في المتن التي هي: "أن يكون الحديث على وجه فينقلب بعض لفظه على الراوي فيتغيّر معناه وربما انعكس"(34)، وسمّاها ب "المنقلب". وأشار رحمه الله أن في قلب المتن عكس للمتن.

وقد قال السراج البلقيني (ت805ه) رحمه الله: "يمكن أن يسمى ذلك بالمعكوس، فينبغي أن يفرد بنوع خاص ولكن لم أر من تعرض له"اه(35).

وابن الجزري رحمه الله في ذكره لهذه الصورة قد تميّز عمن قبله، بل إنه رحمه الله ذكر أمثلة لهذا القسم توضحه وتبينه، فجزاه الله خيراً.

4 يستدرك عليه رحمه الله أنه لم يذكر صورة القلب في الأسماء، وهو: "أن ينقلب عليه اسم راوٍ مثل: "مرّة بن كعب" ب "كعب بن مرّة"، و "سعد بن سنان" ب "سنان بن سعد".

5 جرى القاسمي (ت1332ه) رحمه الله على نحو اصطلاح ابن الجزري رحمه الله، حيث قال القاسمي رحمه الله، تحت الأنواع التي تختص بالضعيف: "المقلوب وهو ما بدل فيه راوٍ بآخر في طبقته أو أخذ إسناد متنه فركب على متن آخر ويقال له المركب"(36). وعدّ في الأنواع التي تشترك في الصحيح والحسن والضعيف: "المنقلب: الذي ينقلب بعض لفظه على الراوي فيتغير معناه"اه(37).

قلت: ويلاحظ أن القاسمي لم يرد في كلامه ذكر لصور من صور القلب وهي: إبدال اسم الراوي مع اسم أبيه. كما أنه صرّح بأن الصورتين اللتين ذكرهما من نوع الضعيف. وهو يعني بذلك والله اعلم أنهما من نوع الضعيف من جهة السند، أمّا المتن فقد يكون صحيحاً أو حسناً أو ضعيفاً أو حتى موضوعاً؛ ولذلك تراه رحمه الله لمّا ذكر القلب المتعلق بالمتن وسمّاه ب "المنقلب" أدرجه تحت الأنواع التي تشترك في الصحيح والحسن والضعيف.
تعريف ابن الوزير اليماني (ت840ه) رحمه الله:
قال رحمه الله: "هو قسمان: أحدهما: أن يكون الحديث مشهوراً براوٍ فيجعل مكانه راوٍ آخر في طبقته ليصير بذلك غريباً مرغوباً فيه كحديث مشهور بسالم يجعل مكانه نافع ونحو ذلك... القسم الثاني: أن يؤخذ إسناد متن فيجعل على متن آخر، ومتن هذا فيجعل بإسناد آخر. القسم الثالث(38): ما انقلب على راويه ولم يقصد قلبه. نوع آخر من المقلوب: وهو ما انقلب متنه على بعض الرواة"اه(39).

ويلاحظ عليه الأمور التالية:

1 أن تعريفه جاء شاملاً للقلب في السند والمتن، مفرداً القلب في المتن بصورة خاصة غير مشتركة.

2 أن جميع هذه الصور عنده في المقلوب، ولم يصطلح لها أسماء خاصة.
3 يستدرك عليه رحمه الله أنه لم يذكر صورة القلب في الأسماء، وهو: "أن ينقلب عليه اسم راوٍ مثل: "مرّة بن كعب" ب "كعب بن مرّة"، و "سعد بن سنان" ب "سنان بن سعد".
تعريف ابن حجر (ت852ه) رحمه الله:
قال رحمه الله: "حقيقته إبدال من يعرف برواية بغيره فيدخل فيه إبدال راوٍ أو أكثر من راوٍ حتى الإسناد كله وقد يقع ذلك عمداً إمّا بقصد الإغراب أو لقصد الامتحان وقد يقع وهماً فأقسامه ثلاثة وهي كلها في الإسناد وقد يقع نظيرها في المتن وقد يقع فيهما جميعاً"اه(40). وقال أيضاً: "إن كانت المخالفة بتقديم أو تأخير أي في الأسماء ك "مرة بن كعب" و"كعب بن مرّة"؛ لأن اسم أحدهما اسم أبي الآخر فهذا هو المقلوب، وقد يقع القلب في المتن أيضاً"(41). ثم قال: "وقد يقع الإبدل عمداً لمن يريد اختبار حفظه امتحاناً من فاعله كما وقع للبخاري والعقيلي وغيرهما. وشرطه أن لا يستمر عليه بل ينتهي بانتهاء الحاجة، فلو وقع الإبدال عمداً لا لمصلحة بل للإغراب مثلاً فهو من أقسام الموضوع ولو وقع غلطاً فهو من المقلوب أو المعلل"اه(42).
ويلاحظ ما يلي:
1 أن تعريف ابن حجر رحمه الله هذا لم يأت في محل واحد بل جاء مفرقاً في أكثر من موضع وفي أكثر من كتاب؛ فالمقطع الأول جاء في كتابه النكت على كتاب ابن الصلاح، والمقطع الثاني جاء في كتابه "نزهة النظر"، في موضعين منه.
2 أنه اصطلح على تسمية ما وقعت فيه "المخالفة بتقديم أو تأخير في الأسماء ك "مرة بن كعب" و"كعب بن مرّة"، ب "المبدل" مع تسميته له ب "المقلوب"(43)فهو مقلوب مبدل.

3 اصطلح على أن ما وقع فيه الإبدال (يعني: إبدال من يعرف برواية بغيره فيدخل فيه إبدال راوٍ أو أكثر من راوٍ حتى الإسناد كله) عمداً لا لمصلحة بل للإغراب مثلاً فهو من أقسام الموضوع، وهو بذلك لا يمنع تسميته بالمقلوب بل يقيده بأنه مقلوب موضوع، أمّا لو وقع غلطاً فهو من المقلوب أو المعلل، فحصر القلب في الوهم فهو الذي يطلق عليه أنه "مقلوب" دون أي قيد.
4 أن تعريف ابن حجر رحمه الله بالنظر إلى مجموعه جاء شاملاً لجميع صور المقلوب، وستأتي إن شاء الله تعالى في آخر هذا الاستعراض لتعريف المقلوب عند علماء المصطلح.
5 في كلام ابن حجر (ت852ه) رحمه الله في نزهة النظر ما قد يوهم أن شرط المقلوب المبدل أن يقع وهماً وغلطاً(44)، وسبب هذا والله اعلم عبارة ابن حجر رحمه الله نفسه حيث قال:"وقد يقع الإبدل عمداً لمن يريد اختبار حفظه امتحاناً من فاعله كما وقع للبخاري والعقيلي وغيرهما. وشرطه أن لا يستمر عليه بل ينتهي بانتهاء الحاجة، فلو وقع الإبدال عمداً لا لمصلحة بل للإغراب مثلاً فهو من أقسام الموضوع ولو وقع غلطاً فهو من المقلوب أو المعلل"اه(45).

ويزول هذا الإيهام إن شاء الله تعالى إذا تنبهت إلى أن مراد الحافظ ابن حجر والله اعلم أن وقوع الإبدال عمداً يدخل في الموضوع لا أنه لا يسمى مقلوب، بل يكون مقلوباً موضوعاً، فلا يطلق عليه اسم القلب فقط؛ ويدل على هذا الأمور التالية:

أنه نص أن الإبدال يقع عمداً ووهماً، ويسمى في جميع حالته قلباً وذلك في قوله رحمه الله: "حقيقته (يعني: المقلوب) إبدال من يعرف برواية بغيره فيدخل فيه إبدال راوٍ أو أكثر من راوٍ حتى الإسناد كله وقد يقع ذلك عمداً إمّا بقصد الإغراب أو لقصد الامتحان وقد يقع وهماً فأقسامه ثلاثة وهي كلها في الإسناد وقد يقع نظيرها في المتن وقد يقع فيهما جميعاً"اه(46).
أنه نص على أن إبدال اسم الراوي بالتقديم والتأخير من المقلوب حيث قال: "إن كانت المخالفة بتقديم أو تأخير أي في الأسماء ك "مرة بن كعب" و"كعب بن مرّة"؛ لأن اسم أحدهما اسم أبي الآخر فهذا هو المقلوب، وقد يقع القلب في المتن أيضاً".
فتحصل من النصين أن الإبدال في الحديث سنداً أو متناً بجميع صوره عنده من المقلوب، وجميعه عنده يقع عمداً أو سهواً، وعليه؛ فإن مراده باصطلاح "المبدل": أن المقلوب في حالة حصوله عمداً سواء كان في اسم الراوي بالتقديم أو التأخير أو بإبدال راوٍ مكان راوٍ أو إبدال السند جميعه وهو ما مثل له في كلامه في "النزهة" بقوله: "كما وقع للبخاري والعقيلي"، فالإبدال في جميع هذه الصور إذا وقع عمداً فهو من أقسام الموضوع، و لا يزول عنه اسم المقلوب، فيكون مقلوباً موضوعاً.

يساعد هذا قوله في معرض ذكر أصناف الوضاعين: "الصنف الثالث: من حمله لشره ومحبة الظهور على الوضع ممن رق دينه من المحدثين فيجعل بعضهم للحديث الضعيف إسناداً صحيحاً مشهوراً كمن يدّعي سماع من لم يسمع وهذا داخل في قسم المقلوب"اه(47).

فهنا أدخل هذا في المقلوب، وهناك أدخل الإبدال في حال العمد في الموضوع، فليس مراده إذا أنه لا يسمى مقلوباً إنما مراده أنه يسمى مقلوباً مع قيد الوضع، لأن راويه تعمد ذلك! فاسم "المقلوب" مطلقاً دون قيد شرطه: وقوع القلب وهماً لا عمداً.
وهذا هو ما أشار إليه السيوطي (ت911ه) رحمه الله في قوله:
القلب في المتن وفي الإسناد قر
واحد نظيره ليغربا
لآخر و عكسه إغراباً أو
وهو يسمى عندهم بالسرقة
إمّا بإبدال الذي به اشتهر
أو جعل إسناد حديث اجتبى
ممتحناً كأهل بغداد حكوا
وقد يكون القلب سهواً أطلقه(48)

فقوله: "وقد يكون القلب سهواً أطلقه" يشير إلى المعنى الذي ذكرته لك. وهذا في الحقيقة يتفق مع ما تقرر في علم المصطلح عن الحديث الموضوع من أنه "لاتحل روايته لأحد علم حاله في أي معنى كان إلا مقروناً ببيان وضعه بخلاف غيره من الأحاديث الضعيفة التي يحتمل صدقها في الباطن حيث جاز روايتها في الترغيب والترهيب"(49).
6 وفي فلك تعريف ابن حجر (ت852ه) رحمه الله يدور تعريف تلميذه السخاوي (ت902ه) رحمه الله(50).
وكذا السيوطي (ت911ه)، حيث أشار إلى تعريف المقلوب بأنه: "إبدال الذي به اشتهر الحديث سنداً أو متناً"، مع ملاحظة أنه اقتصر في الصور على ما ذكره ابن الصلاح رحم الله الجميع(51).
وكذا زكريا الأنصاري (ت925ه) رحمه الله، حيث عرّفه بأنه: "هو تبديل شيء بآخر على الوجه الآتي (في أقسام المقلوب)"اه(52).
وكذا اللكنوي (ت1304ه) رحمه الله(53). وكذا محمد محمد أبوشهبة (ت1403ه) رحمه الله(54). وكذا محمد محمد السماحي (ت1404ه) رحمه الله(55). وكذا صبحي الصالح (ت1407ه) رحمه الله(56). وكذا السيد قاسم الإنديجاني رحمه الله (57). وكذا محمد أديب الصالح حفظه الله(58). وكذا نور الدين عتر حفظه الله(59). وكذا محمد لطفي الصباغ حفظه الله(60). وكذا محمود الطحان حفظه الله (61).

وكاد تعريف محمد عجاج الخطيب حفظه الله، أن يكون من التعاريف الجامعة حيث قال: "هو الحديث الذي انقلب فيه على راوٍ بعض متنه أو اسم راوٍ في سنده أو سند متن مشهور به لآخر"اه(62).

ويلاحظ ما يلي:

1 أن تعريفه فيه دور، حيث فسر الحديث المقلوب بالحديث الذي انقلب، ولم يأت في كلامه ما يوضح حقيقة القلب!

2 أن تعريفه غير جامع لصور المعرّف، إذ لم يذكر صورة القلب بالتقديم والتأخير في الأسماء، ولم تأت عبارته واضحة في صورة القلب ب إبدال ما اشتهر براوٍ فيجعل مكانه راوٍ في طبقته ليصير غريباً مرغوباً فيه.

تعريف طاهر الجزائري (ت1338ه) رحمه الله:

قال رحمه الله، معرفاً للمقلوب وقد عدّه في أقسام الحديث الضعيف: "هو ما وقعت المخالفة فيه بالتقديم والتأخير... والغالب في القلب أن يكون في الإسناد".

ثم قال: "وقال الأكثرون: القلب أعم من ذلك وجعلوا القلب في الإسناد قسمين... وذكر نحواً من تقسيم ابن الصلاح". ثم قال: "وقد عرّف بعضهم القلب في المتن بقوله: أن يعطي أحد الشيئين ما اشتهر للآخر"اه(63).

ويلاحظ ما يلي:
1 أنه نظر في تعريفه إلى تعريف ابن حجر رحمه الله في كتابه نزهة النظر، وقد تقدّم، لكنه جعله عاماً ولم يخصّه بكونه في أسماء الرواة بل جعله شاملاً للسند والمتن.
2 يمكن أن يتعقب تعريفه بكون القلب أعم من أن يكون بالتقديم والتأخير، وهذا ما أشار إليه في كلامه عندما ذكر تعريف المقلوب عند الأكثرين! ويبدو أن مراد الشيخ رحمه الله أن حصر القلب في هذه الصورة أولى، ويكون هذا اصطلاحاً خاصاً به، و لا مشاحة في الاصطلاح!
3 تقدّم التنبيه على أن ابن حجر (ت852ه) رحمه الله في مجموع كلامه في النزهة لا يفيد حصر المقلوب في التقديم والتأخير في الأسماء، وإنما وقع إيهام في عبارته بسبب الفصل، ويؤكد أنه لم يرد حصر المقلوب في التقديم والتأخير في الأسماء أمور سبق ذكرها، فارجع غير مأمور إلى تعريف ابن حجر والملاحظات تحته!
4 ويتعقب أيضاً بأنه أدرج المقلوب تحت أقسام الضعيف، هكذا مطلقاً دون تفصيل، والواقع أن المقلوب منه ما يكون صحيحاً أو حسناً أو ضعيفاً.
-->
من مواضيع حزن الشمال n

حزن الشمال n غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-19-2011, 06:04 AM   #2


 

 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 21,134
معدل تقييم المستوى: 3799387
حزن الشمال n has a reputation beyond reputeحزن الشمال n has a reputation beyond reputeحزن الشمال n has a reputation beyond reputeحزن الشمال n has a reputation beyond reputeحزن الشمال n has a reputation beyond reputeحزن الشمال n has a reputation beyond reputeحزن الشمال n has a reputation beyond reputeحزن الشمال n has a reputation beyond reputeحزن الشمال n has a reputation beyond reputeحزن الشمال n has a reputation beyond reputeحزن الشمال n has a reputation beyond repute
افتراضي رد: الحديث المقلوب - تعريفه، وفوائده، وحكمه، والمصنفات فيه

يتبع

====
-->
من مواضيع حزن الشمال n

حزن الشمال n غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-19-2011, 06:17 AM   #3


 

 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 21,134
معدل تقييم المستوى: 3799387
حزن الشمال n has a reputation beyond reputeحزن الشمال n has a reputation beyond reputeحزن الشمال n has a reputation beyond reputeحزن الشمال n has a reputation beyond reputeحزن الشمال n has a reputation beyond reputeحزن الشمال n has a reputation beyond reputeحزن الشمال n has a reputation beyond reputeحزن الشمال n has a reputation beyond reputeحزن الشمال n has a reputation beyond reputeحزن الشمال n has a reputation beyond reputeحزن الشمال n has a reputation beyond repute
رد: الحديث المقلوب - تعريفه، وفوائده، وحكمه، والمصنفات فيه

التعريف المختار:
وبعد: فقد مررنا في هذا الاستعراض بجملة من تعاريف أهل العلم الجامعة المانعة التي يصلح كل واحد منها أن يكون تعريفاً مختاراً، ومن ذلك:

ما نستخلصه من كلام الحافظ ابن حجر رحمه الله من أن المقلوب: حقيقته إبدال من يعرف برواية بغيره فيدخل فيه إبدال راوٍ أو أكثر من راوٍ حتى الإسناد كله، أو بتقديم أو تأخير أي في الأسماء ك "مرة بن كعب" و"كعب بن مرّة"؛ لأن اسم أحدهما اسم أبي الآخر. وقد يقع ذلك عمداً إمّا بقصد الإغراب أو لقصد الامتحان وقد يقع وهماً فأقسامه ثلاثة وهي كلها في الإسناد وقد يقع نظيرها في المتن وقد يقع فيهما جميعاً.

ومنه نعلم أن أركان القلب في الحديث هي التالية:

1 صرف وتحويل وتبديل للحديث عن وجهه.

2 يكون في السند أو المتن، أو فيهما.

3 يقع عمداً أو سهواً.

4 صرف الحديث عن وجهه لا يكون مقلوباً إلا إذا كان فيه إبدال في السند أو المتن أو فيهما على صورة من الصور التالية:

القلب بإبدال الراوي المشهور بالسند بآخر في طبقته. وهذا قلب في الإسناد. ويسميه بعض أهل الحديث كما أشار ابن الجزري ب "المركب"(64).

القلب بإبدال راوٍ بآخر في السند مطلقاً، ومن أشهر صوره القلب بإبدال الراوي المشهور بالسند بآخر في طبقته. ويسميه بعض أهل الحديث كما أشار ابن الجزري ب "المركب"(65).

ومن صوره أن يكون الحديث من رواية الأكابر عن الأصاغر فيقلبه ويرويه على الجادة.

أو أن يكون الحديث من باب المدبج في رواية الأقران فينقلب عليه.

وهذا قلب في الإسناد.

القلب بالتقديم والتأخير ونحو ذلك في اسم الراوي في السند. وهذا قلب في الإسناد. ويسميه ابن حجر ب "المبدل"(66) فهو عنده "مقلوب مبدل".

القلب بإعطاء أحد المذكورين في الحديث ما اشتهر للآخر. وهذا قلب في المتن. ويسميه ابن الجزري ب "المنقلب". وقال السراج البلقيني (ت805ه) رحمه الله: "يمكن أن يسمى ذلك بالمعكوس، فينبغي أن يفرد بنوع خاص ولكن لم أر من تعرض له"اه(67). وتبع القاسميُّ رحمه الله ابن الجزري رحمه الله في اصطلاحه.

القلب بجعل سند هذا الحديث لمتن الآخر ومتن الآخر لسند هذا الحديث. وهذا قلب في الإسناد عند الأكثرين، وقلب للمتن عند بعضهم، وهو في حقيقته مشترك بينهما(68). ويسميه ابن الجزري كما سبق ب "المركب"، وتابعه على ذلك القاسمي.

وهذه الصور مشتملة على أقسام المقلوب؛

فهو ينقسم باعتبار موضعه إلى قسمين:

مقلوب في السند.

مقلوب في المتن.

وينقسم باعتبار تعمده أو عدمه إلى ثلاثة أقسام:

القلب عمداً بقصد الإغراب.

القلب عمداً بقصد الامتحان.

القلب بدون قصد، وهماً و غلطاً.

والعلاقة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي: عموم وخصوص مطلق، فكل مقلوب اصطلاحي مقلوب لغة و لا عكس.

إذ القلب في اللغة عام في كل صرف لأي شيء عن وجهه، وفي الاصطلاح عند المحدثين خاص بصرف الحديث عن وجهه على هيئة مخصوصة.

المقصد الثاني: فوائد معرفة الحديث المقلوب

بعد أن تعرفنا على حقيقة وماهية الحديث المقلوب عند علماء الحديث، نقف هنا على فوائد معرفة الحديث المقلوب، وهي كثيرة الأفراد أذكر مجملها في النقاط التالية:

1 من فوائد معرفة المقلوب: أن الحديث يُظن فائدة، وليس كذلك، إذ يُكتشف أنه مقلوب.

قال شعبة (ت160ه) رحمه الله: "أفادني ابن أبي ليلى أحاديث فإذا هي مقلوبة"(69).

2 من فوائده: كشف تحقق حصول الاتصال من عدمه.

قال ابن أبي حاتم رحمه الله: "سمعت أبي يقول: إسماعيل بن أبي خالد الفَدَكي لم يدرك البراء. قلت: حدّث يزيد بن هارون عن سيّار عن يحي بن أبي كثير عن إسماعيل بن أبي خالد الفدكي أن البراء بن عازب رضي الله عنه حدّثه في الضحايا؟ قال: هذا وهم، وهو مرسل"اه(70).

قلت: ومعنى هذا أن الرواية انقلبت على أحدهم فرواه بصيغة السماع بين إسماعيل بن أبي خالد والبراء بن عازب، والحقيقة أنه لا سماع بينهما.

قال أبوزرعة الرازي (ت264ه) رحمه الله، في "عبدالرحمن بن أبي الموال": "لا بأس به، صدوق". وذكر الذهبي في الميزان(71)حديثاً يرويه عبدالرحمن بن أبي الموال عن عبيدالله بن موهب عن عمرة عن عائشة. قال أبوزرعة: "هذا خطأ. الصحيح عن ابن موهب عن علي بن الحسين، مرسل".

قلت: وهذا بمعنى أنه أخطأ فقلبه! والملحوظ هنا أن قلبه أوهم اتصال سند الحديث!

ومن هذا القبيل ما تراه في بعض الأسانيد من صيغة السماع بين راويين صرّح أهل العلم بأنه لم يقع بينهما! ولا ينبغي العدول عن تصريح أهل العلم لمجرد وقوع مثل هذا الأمر في الأسانيد، إذ يغلب على الظن عندها أن وقوع ذلك هو من قبيل القلب(72).

قال ابن حبان (ت354ه) رحمه الله، في ترجمة: "سالم بن عبدالله الخياط": "يقلب الأخبار ويزيد فيها ما ليس منها ويجعل روايات الحسن عن أبي هريرة سماعاً، ولم يسمع الحسن عن أبي هريرة شيئاً. لا يحل الاحتجاج به"(73).

3 ومن فوائد معرفة المقلوب: أن القلب يوهم التفريق بين رجلين لوجود اسمين وهما واحد، يُعرف هذا بمعرفة أن الحاصل من الاسمين إنما هو من باب قلب الأسماء.

ومن هؤلاء الذين انقلبت أسماؤهم بالتقديم والتأخير فظُن أنهما اثنان كثير ممن يوردهم الحافظ ابن حجر (ت852ه) رحمه الله في كتابه "الإصابة"، في القسم الرابع من كل حرف، والذي خصصه رحمه الله فيمن ذكر في الكتب التي اعتمد عليها في تصنيف كتابه على سبيل الوهم والغلط وبيان ذلك، فمن هؤلاء:

بشر بن رافع السلمي، قلبه بعضهم إلى "رافع بن بشر" السلمي(74).

بلال بن الحارث المزني انقلب اسمه إلى "الحارث بن بلال المزني" وهو هو!(75).

الحارث بن شريح بن ذؤيب النميري، انقلب اسمه في رواية عند عمر بن شبة إلى "شريح بن الحارث"(76).

حصين بن ربيعة بن عامر الأحمسي، قيل فيه: "ربيعة بن حصين" كأنه انقلب اسمه!(77).

فتمييز هؤلاء ومعرفتهم إنما كانت بإدراك وقوع القلب في أسمائهم، وهذا من فوائد معرفة المقلوب!

4 ومن فوائد معرفة المقلوب: أن الحديث الواحد يُعد أحاديث إذا وقع القلب في اسم الصحابي، فيتبين بمعرفة وقوع القلب فيه أنه حديث واحد، وليس حديثين!

قال ابن حجر (ت852ه) رحمه الله: "يوجد ذلك في كلام الترمذي فضلاً عمن دونه حيث يقال: وفي الباب عن فلان وفلان، ويكون الواقع أنه حديث واحد اختلف على راويه"اه(78).

من ذلك ما جاء عند ابن حبان في ترجمة: "سعيد بن أوس أبوزيد الأنصاري، من أهل البصرة"(79).

قال ابن حبان (ت354ه) رحمه الله: "يروي عن ابن عون ما ليس من حديثه روى عنه البصريون لا يجوز الاحتجاج بما انفرد به من الأخبار، و لا الاعتبار إلا بما وافق الثقات في الآثار.

روى عن ابن عون عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يا بلال اسفر بالصبح فإنه أعظم للأجر". ثناه الحسين بن إسحاق الأصبهاني بالكرخ، ثنا القاسم بن عيسى الحضرمي ثنا سعيد بن أوس.

وليس هذا من حديث ابن عون و لا ابن سيرين و لا أبي هريرة؛ وإنما هذا المتن من حديث رافع بن خديج فقط. فيما يشبه هذا مما لا يشك عوام اصحابنا أنها مقلوبة أو معمولة"اه(80).

قلت: فهذا الحديث يُظن بسبب القلب أن له رواية عن أبي هريرة، وليس كذلك!

5 ومن فوائده حصر الخلاف وتقليله فيمن اختلف في اسمه من الرواة، كما تراه في ترجمة أبي هريرة t واختلافهم في اسمه والواقع أنه وقع قلب في بعض الأقوال في اسمه، نبه عليه ابن حجر رحمه الله في الإصابة.

6 ومن فوائده كشف زيف تعدد الطرق لبعض الأحاديث وعند التحقيق ليس للحديث إلا طريق واحد انقلب على بعض الرواة فظُن طريقان!

7 ومن فوائد معرفة المقلوب: أن متن الحديث يُظن حديثاً آخر وهو حديث واحد انقلب على راويه.

كما في حديث: "كان صلى الله عليه وسلم يصلي قبل الجمعة أربعاً"، وهذا الحديث مقلوب، انقلب على الراوي من حديث: "كان يصلي بعد الجمعة أربعاً"(81).

8 ومن فوائده: أنه يبرز صورة من صور تدليس الشيوخ، بأن يتعمد المدلس قلب اسم شيخه مع اسم أبي شيخه!

وفي الرواة: محمد بن سعيد المصلوب.ت.ق.

قال عبدالله بن أحمد بن سوادة: "قلبوا اسمه على مائة اسم وزيادة، قد جمعتها في كتاب"اه(82).

قال الذهبي (ت748ه) رحمه الله: "وقد غيّروا اسمه على وجوه ستراً له وتدليساً لضعفه"اه(83).

9 ومن فوائد المقلوب: أنه يكتشف به حال الراوي من الضبط.

قال الخطيب البغدادي (ت463ه) رحمه الله: "إذا سلم الراوي من وضع الحديث وادعاء السماع ممن لم يلقه وجانب الأفعال التي تسقط بها العدالة غير أنه لم يكن له كتاب بما سمعه فحدّث من حفظه لم يصح الاحتجاج بحديثه حتى يشهد له أهل العلم بالأثر والعارفون به أنه ممن قد طلب الحديث وعاناه وضبطه وحفظه!

ويعتبر اتقانه وضبطه بقلب الأحاديث عليه"اه(84).

وقد ذكر ابن حجر (ت852ه) رحمه الله تعالى أن ممن كان يفعل قلب الأحاديث لقصد الامتحان شعبة (ت160ه) رحمه الله، حيث كان يفعله كثيراً لقصد اختبار حفظ الراوي فإن أطاعه على القلب عرف أنه غير حافظ وإن خالفه عرف أنه ضابط(85).

10 من فوائد معرفة المقلوب: أن الحديث يروي بزيادة، تُظن مفسرة، وهي مقلوبة، وهم فيها الراوي، يُعرف ذلك بمعرفة أنها مقلوبة.

جاء عن شعبة عن قتادة أنه سمع زرارة بن أوفى عن عمران بن حصين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه الظهر، فقال: أيكم قرأ بسبح اسم ربك الأعلى؟ فقال رجل: أنا! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عرفت أن رجلاً خالجنيها.

قال شعبة: فقلت لقتادة: كأنه كرهه؟

فقال: لو كرهه لنهى عنه"(86).

قال البيهقي (ت463ه) رحمه الله: "في سؤال شعبة وجواب قتادة في هذه الرواية الصحيحة تكذيب من قلب هذا الحديث وأتى فيه بما لم يأت به الثقات من أصحاب قتادة"اه(87).

يشير إلى أن الرواية التي جاءت لهذا الحديث عن قتادة وفيها: "النهي عن القراءة" مقلوبة؛ إذ رواية قتادة لا تفيد النهي، والراوي أدرى بمرويه؛ فمن رواه عن قتادة على النهي فقد انقلب عليه الحديث، وهو ماجاء عن ابن صاعد عن يوسف عن سلمة بن الفضل عن حجاج بن أرطاة عن قتادة عن زرارة بن أوفى عن عمران بن حصين قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس ورجل يقرأ خلفه فلما فرغ قال: من ذا الذي يخالجني سورتي فنهى عن القراءة خلف الإمام".

قال ابن صاعد (ت318ه): قوله: "فنهى عن القراءة خلف الإمام" تفرد بروايته حجاج، وقد رواه عن قتادة: شعبة وابن أبي عروبة ومعمر وإسماعيل ابن مسلم وحجاج وأيوب بن أبي مسكين وهمام وأبان وسعيد بن بشر فلم يقل أحد منهم ما تفرد به حجاج. قال شعبة: سألت قتادة كأنه كرهه؟ قال: لو كرهه لنهى عنه"اه(88).

ومعنى هذا الكلام: أن الرواية التي جاءت للحديث من طريق قتادة وفيها التصريح بالنهي عن القراءة مطلقاً خلف الإمام؛ رواية مقلوبة، انقلبت على الراوي عن قتادة، إذ رواية قتادة ليس فيها النهي عن القراءة خلف الإمام، بل قتادة نفسه الراوي لها صرّح بذلك، فكيف يكون في رواية الحديث عن طريقه التصريح بالنهي مع تصريحه بأنها لم تتضمن النهي عن القراءة؟!

11 ومن فوائد معرفة المقلوب: أن الراوي قد يقلب سند الحديث فيُظن أنه صحابي وهو تابعي! يكشف ذلك بمعرفة وقوع القلب في السند على الراوي.

في الرواة: أشعث بالمثلثة بن عمير بن جودان. يروي عن أبيه.

وقع في بعض الروايات عمير بن أشعث بن جودان عن أبيه.

فجعل عمير اسم لولده، يروي عن أبيه أشعث، فظُنّ الأب (أشعث) من الصحابة!

والصواب: عن أشعث بن عمير بن جودان عن أبيه. قاله ابن منده وغيره.

وقال أبو نعيم (ت430ه): "قلبه بعض الرواة"اه(89).

وفي الرواة: ثابت بن معبد تابعي أرسل حديثا أو وصله فانقلب على بعض رواته، فتُوهِّم أنه صحابي.

ذكره ابن منده وبين جهة الوهم فيه قال: "روى عمرو بن خالد عن عبيدالله بن عمرو عن عبدالملك بن عمير عن رجل من كلب عن ثابت بن معبد أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن امرأة من قومه أعجبه حسنها الحديث".

هكذا قال: "عمرو"! ورواه علي بن معبد وغيره عن عبيدالله بن عمرو عن عبدالملك عن ثابت بن سعيد عن رجل من كلب بهذا.

قال ابن منده (ت395ه): "هذا هو الصواب قلبه عمرو بن خالد"اه.

وقال البخاري (ت256ه) رحمه الله: "ثابت بن معبد روى عنه عبدالملك ابن عمير منقطع حديثه في الكوفيين"اه(90). وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: "ثابت ابن معبد، روى عن عمر بن الخطاب روى عنه عبد الملك"اه(91).

وقال ابن حبان (ت354ه) رحمه الله: "ثابت بن معبد يروي عن عمه، روى عنه عبد الملك بن عمير"اه(92).

وقال ابن مندة (ت395ه): "تابعي عداده في أهل الكوفة‏"اه (93).

المقصد الثالث: حكم الحديث المقلوب ومرتبته

قلب الحديث إمّا أن يقع عمداً بقصد الامتحان أو بقصد الإغراب، وإما أن يقع سهواً.

فإن وقع سهواً بلا تفريط في حق حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فالأمر فيه قريب(94)، ولا إثم على من وقع منه ذلك والحال هذه، إن شاء الله تعالى. لكن حديثه وضبطه يُخْدَش بذلك بحسب كثرة الخطأ، فإن كان الغالب عليه الخطأ وعدم الحفظ، فكثر القلب في حديثه فهو منكر الحديث، وإن لم يكن غالباً فبحسبه، فتارة يكون صاحبه من شرط الحسن وتارة من شرط الصحيح لكن لا في أعلى درجاته، ما دام أن ذلك لم يكن غالباً ولا كثيراً في مروياته!

قال سفيان الثوري (ت161ه) رحمه الله: "ليس يكاد يفلت من الغلط أحد، إذا كان الغالب على الرجل الحفظ فهو حافظ وإن غلط. وإن كان الغالب عليه الغلط ترك"(95).

قال ابن مهدي (ت198ه) رحمه الله: "الناس ثلاثة: رجل حافظ متقن فهذا لا يختلف فيه. وآخر يهم والغالب على حديثه الصحة فهذا لا يترك حديثه. وآخر يهم والغالب على حديثه الوهم فهذا يترك حديثه"(96).

قال ابن حبان (ت354ه) رحمه الله في ترجمة إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم، بعد أن وصفه بقلب الحديث: "فالاحتياط في أمره الاحتجاج بما وافق الثقات من الأخبار، وترك ما انفرد من الآثار"اه(97).

وقال أيضاً رحمه الله: "من ساء حفظه حتى كان يقلب الأسانيد ويروي عن الثقات ما ليس من حديثه لا يجوز الاحتجاج به"اه(98).

وقد ينسب من وقع منه ذلك إلى الكذب بمعنى مخالفة الواقع في مرويِّه لا بمعنى أنه وضاع طالما أنه لم يتعمّد، فتنبه!

كما تراه في وصف البيهقي لمن قلب حديثاً وليس في السند من يوصف بأنه وضاع، فقال، بعد أن ذكر رواية صحيحة تبين القلب وتكشف وقوع الخطأ في رواية كان يتكلم عنها، قال: "في هذه الرواية الصحيحة تكذيب من قلب هذا الحديث وأتى فيه بما لم يأت به الثقات من أصحاب قتادة"اه(99).

الشاهد أنه قال: "تكذيب من قلب"؛ قلت: وليس في السند الذي ذكره هناك مَنْ يوصف بأنه يضع الحديث، فأطلق التكذيب ومراده الخطأ، ووجه ذلك أن الكذب يطلق في الأصح على عدم مطابقة الواقع مطلقاً، سواء بعمد أو بغير عمد(100)، وهذه لغة أهل الحجاز كما نبه على ذلك أهل العلم(101).

وإن وقع القلب عمداً بقصد الامتحان فقد استنكره حرَمي بن عمارة (ت201ه) رحمه الله ووجه ذلك والله اعلم لما يترتب عليه من تغليط من يمتحنه فقد يستمر على روايته لظنه أنه صواب وقد يسمعه من لا خبرة له فيرويه ظناً منه أنه صواب(102).

قال حماد بن زيد: "سألت سلمة بن علقمة عن شيء فرفع ثم نظر إليّ فقال: إن سرّك أن يكذب صاحبك فلقنه، ثم رجع".

وفي رواية: "لقنت سلمة بن علقمة حديثاً فحدثنيه ثم رجع عنه، وقال: إذا سرّك أن تكذب أخاك فلقنه"(103).



عن مطر الوراق قال: قال أبو الأسود: "إذا سرّك أن تكذب صاحبك فلقنه"(104).

عن بهز بن أسد العمي (مات بعد المائتين وقيل قبلها) وسأله حرمي بن عمارة (ت201ه) عن أبان بن أبي عياش؟ فذكر له عن شعبة (ت160ه) رحمه الله أنه قال: كتبت حديث أنس عن الحسن، وحديث الحسن عن أنس، فدفعتها إلى أبان بن أبي عياش فقرأها عليّ! فقال حرمي: بئس ما صنع، وهذا يحل؟(105).

وممن كان يكره القلب على الشيوخ: عبدالله بن إدريس (ت192ه) رحمه الله، ويحي بن سعيد القطان (ت198ه) رحمه الله.

قال خلف بن سالم: حدثني يحي بن سعيد، قال: قدمت الكوفة وبها ابن عجلان وبها من يطلب الحديث: مليح بن وكيع، وحفص بن غياث، وعبدالله ابن إدريس، ويوسف بن خالد السمتي، فقلنا: نأتي ابن عجلان.

فقال يوسف بن خالد: نقلب على هذا الشيخ حديثه، ننظر تفهمه. قال: فقلبوا فجعلوا ماكان عن سعيد عن أبيه، وما كان عن ابيه عن سعيد، ثم جئنا إليه، لكن ابن إدريس تورّع وجلس بالباب وقال: لا استحل، وجلست معه... القصة(106).

وجمهور أهل الحديث على جواز القلب لامتحان ضبط الراوي؛ فإن أطاعه على القلب وقبل التلقين به عرف أنه غير حافظ، و إن خالفه عرف أنه ضابط، وهذه المصلحة أكثر من المفسدة فيه، وشرطه أن لا يستمر عليه بل ينتهي بانتهاء الحاجة.



قال الحافظ العراقي (ت804 ه) رحمه الله في حديثه عن قلب الحديث: "وقد يُفعل اختباراً لحفظ المحدِث وهذا يفعله أهل الحديث كثيراً، وفي جوازه نظر، إلا أنه إذا فعله أهل الحديث لا يستقر حديثاً وإنما يُقصد اختبار حفظ المحدث بذلك أو اختباره هل يقبل التلقين أوْ لا"اه(107).

وقال ابن حجر (ت852ه) رحمه الله: "وشرطه أن لا يستمر عليه بل ينتهي بانتهاء الحاجة"اه(108).

وممن نقل عنه أنه فعل ذلك:

شعبة بن الحجاج (ت160ه) رحمه الله، وتقدّم النص في ذلك في قصة حرمي!

عن بهز بن أسد العمي (مات بعد المائتين وقيل قبلها) وسأله حرمي بن عمارة (ت201ه) عن أبان بن أبي عياش؟ فذكر له عن شعبة (ت160ه) رحمه الله أنه قال: كتبت حديث أنس عن الحسن، وحديث الحسن عن أنس، فدفعتها إلى أبان بن أبي عياش فقرأها عليّ!...(109).

وممن فعل ذلك: حماد بن سلمة (ت167ه) رحمه الله.

عن حماد بن سلمة (ت167ه) رحمه الله، قال: "قلبت أحاديث على ثابت فلم تنقلب، وقلبت على أبان بن أبي عياش فانقلبت"(110).

وعنه قال: "كنت أقلب على ثابت البناني حديثه، وكانوا يقولون: القصاص لا يحفظون وكنت أقول لحديث أنس: كيف حدثك عبدالرحمن بن أبي ليلى؟ فيقول: لا إنما حدثناه أنس! وأقول لحديث عبدالرحمن بن أبي ليلى: كيف حدّثك أنس؟ فيقول: لا إنما حدثناه عبدالرحمن بن أبي ليلى"اه(111).

وممن فعل ذلك يحي بن معين (ت233ه) رحمه الله.

قال أحمد بن منصور الرمادي: "كنا عند أبي نعيم نسمع مع أحمد بن حنبل (ت241ه) ويحي بن معين (ت233ه) قال: فجاءنا يوماً يحي ومعه ورقة قد كتبت فيها أحاديث من أحاديث أبي نعيم (يعني: الفضل بن دكين) وأدخل خلالها ما ليس من حديثه، وقال: أعطه بحضرتنا حتى يقرأ. وكان أبونعيم إذا قعد في تيك الأيام للتحديث كان أحمد على يمينه ويحي على يساره فلمّا خفّ المجلس ناولته الورقة، فنظر فيها كلها ثم تأملني ونظر إليها ثم قال وأشار إلى أحمد : أمّا هذا فآدب من أن يفعل مثل هذا، وأمّا أنت فلا تفعلن وليس هذا إلا من عمل هذا، ثم رفس يحي رفسة رماه إلى أسفل السرير، قل: علي تعمل، فقام إليه يحي وقبله، وقال: جزاك الله عن الإسلام خيراً، مثلك من يحدث إنما أردت أن أجربك"اه(112).

وممن فعل ذلك: الحارث بن سريح النقال الفقيه(113).

قال مجاهد بن موسى المخزومي: "دخلنا على عبدالرحمن بن مهدي (ت198ه) في بيته فدفع إليه حارث النقال رقعة فيها حديث مقلوب، فجعل يحدثه حتى كاد أن يفرغ ثم فطن، فنقده فرمى به، وقال: كاذب والله كاذب والله".

وفي رواية أن ابن مهدي (ت198ه) قال بعد أن رمى بالحديث الذي أدخل في الصحيفة: "كادت والله تمضي كادت والله تمضي"(114).

أمّا إن وقع القلب عمداً، بقصد الإغراب فهذا من أقسام الموضوع(115). وهو حرام(116).

وفاعله على هذه الصفة من الوضاعين(117). وحديثه مردود(118).

وبعض صوره ووجوهه أغلظ تحريماً من الأخرى، وصوره هي التالية:

الصورة الأولى: أن يقلب اسم الراوي بالتقديم والتأخير، أو نحوه، وتعمّد هذا القلب من صور تدليس الشيوخ، إذا كان بغرض الستر على الشيخ الضعيف أو المتروك فهو حرام.

واثم تدليس الكذاب الوضاع أكثر إثماً من تدليس الضعيف.

قال ابن الجوزي (ت597ه) رحمه الله: "من دلّس كذاباً فالإثم لازم له؛ لأنه آثر أن يؤخذ في الشريعة بقول باطل"اه(119).

قال العلائي (ت761ه) رحمه الله: "وأمّا تدليس الشيوخ فهو يختلف باختلاف الأغراض؛

فمنهم من يدلس شيخه لكونه ضعيفاً أو متروكاً حتى لا يعرف ضعفه إذا صرّح باسمه.

ومنهم من يفعل ذلك لكونه كثير الرواية عنه كي لا يتكرر ذكره كثيراً.

أو لكونه متأخر الوفاة قد شاركه فيه جماعة فيدلسه للإغراب.

أو لكونه أصغر منه أو لشيء بينهما كما وقع للبخاري مع الذهلي.

وكلها سوى النوع الأوّل أمره خفيف.

وقد تسمّح بذلك جماعة من الأئمة، وأكثر منه الحافظ الخطيب في كتبه، وليس فيه إلا تضييع للمروي عنه وتوعيره لطريق معرفته على من يروم ذلك(120).

وأمّا النوع الأوّل فهو مذموم جداً لما فيه من تغطية حال الضعيف والتلبيس على من يتنكب الاحتجاج به"اه(121).

الصورة الثانية: أن يركب سند الحديث مع متن حديث آخر، ويجعل متنه مع سند آخر، أو أن يدخل حديثاً في نسخة تروى بسند واحد، ولها وجوه:

أن يركب إسناداً صحيحاً على متن صحيح.

أن يركب إسناداً صحيحاً على متن ضعيف.

أن يركب إسناداً ضعيفاً على متن صحيح.

أن يركب إسناداً ضعيفاً على متن ضعيف.

أن يختلق إسناداً على وصف الصحة يركبه على متن صحيح.

أن يختلق إسناداً على وصف الصحة يركبه على متن ضعيف.

أن يختلق إسناداً على وصف الضعف يركبه على متن صحيح.

أن يختلق إسناداً على وصف الضعف يركبه على متن ضعيف.

فالوجوه الأربعة الأخيرة من الوضع الظاهر للحديث.

أمّا الوجوه الأولى فهي مع كونها حرام لاتجوز، إلا أن بعضها أخف إثماً من بعض، إذ الوجوه التي لا تختلف فيها مرتبة الحديث أخف إثماً من الوجوه التي تختلف فيها مرتبة الحديث!

الصورة الثالثة: أن يقلب لفظ الحديث وله وجوه:

أن يُعطي ما اشتهر لأحد المذكورين في الحديث ما جاء للآخر.

أن يكون الحديث مفيداً لحكم فيصرفه ويحوله عن وجهه.

والوجه الثاني هنا أعظم جرماً من الأول.

الصورة الرابعة: أن يبدل راوٍ في السند اشتهر الحديث بروايته، براوٍ آخر في طبقته، وله وجوه:

أن يُبدل راوٍ ثقة بآخر ثقة.

أن يُبدل راوٍ ثقة بضعيف.

أن يُبدل راوٍ ضعيف بثقة.

أن يُبدل راوٍ ضعيف بضعيف.

أن يُبدل راوٍ ثقة بآخر يختلقه.

أن يُبدل راوٍ ضعيف بآخر يختلقه.

وهنا تتفاوت درجة الاثم وغلظته بحسب أثر هذا الإبدال في درجة الحديث!

الصورة الخامسة: أن يقع القلب في السماع، أو أن يسرق السماعات ويدّعي سماع مالم يسمعه من الكتب والأجزاء.

فهذا كذب، ولكنه ليس كالكذب في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم.

قال الذهبي (ت748ه) رحمه الله في كلامه عن المقلوب: "فمن فعل ذلك خطأ فقريب!

ومن تعمّد ذلك وركب متناً على إسناد ليس له فهو سارق الحديث، وهو الذي يقال في حقه: فلان يسرق الحديث. ومن ذلك أن يسرق حديثاً ما سمعه فيدعي سماعه من رجل.

وإن سرق فأتى بإسناد ضعيف لمتن لم يثبت سنده فهو أخف جرماً ممن سرق حديثاً لم يصح متنه وركب له إسناداً صحيحاً؛ فإن هذا نوع من الوضع والافتراء، فإن كان ذلك في متون الحلال والحرام؛ فهو أعظم اثماً، وقد تبوأ بيتاً في جهنم!

وأمّا سرقة السماع وادعاء ما لم يسمع من الكتب والأجزاء فهذا كذب مجرّد ليس من الكذب على الرسول صلى الله عليه وسلم، بل من الكذب على الشيوخ ولن يُفلح من تعاناه وقلّ من ستر الله عليه منهم. فمنهم من يفتضح في حياته. ومنهم من يفتضح بعد وفاته. فنسأل الله الستر والعفو"اه(122).

وهذا (أعني: التعمد في القلب) يُفسر وصف بعض الرواة بالقلب أو بالسرقة مع وصفهم بالوضع، فكأنه دليل على أنهم كانوا يتعمدون قلب الأسانيد، فحديثهم موضوع مقلوب.

أمّا حكم رواية الحديث المقلوب:

فالظاهر أن ما كان من القلب يأخذ حكم الوضع، فحكم روايته حكم رواية الحديث الموضوع، وما لا يأخذ حكم الوضع فحكم روايته حكم رواية الحديث الضعيف.

قال الترمذي (ت279ه) رحمه الله: "قَالَ سَأَلْتُ أَبَا مُحَمَّدٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: عَنْ حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ حَدَّثَ عَنِّي حَدِيثًا وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ" قُلْتُ لَهُ: مَنْ رَوَى حَدِيثًا وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ إِسْنَادَهُ خَطَأٌ أَيُخَافُ أَنْ يَكُونَ قَدْ دَخَلَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ إِذَا رَوَى النَّاسُ حَدِيثًا مُرْسَلًا فَأَسْنَدَهُ بَعْضُهُمْ أَوْ قَلَبَ إِسْنَادَهُ يَكُونُ قَدْ دَخَلَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ؟

فَقَالَ: لَا إِنَّمَا مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ إِذَا رَوَى الرَّجُلُ حَدِيثًا وَلَا يُعْرَفُ لِذَلِكَ الْحَدِيثِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْلٌ فَحَدَّثَ بِهِ فَأَخَافُ أَنْ يَكُونَ قَدْ دَخَلَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ"اه(123).

قال ابن الصلاح (ت643ه) رحمه الله عن الحديث الموضوع أنه: ""لاتحل روايته لأحد علم حاله في أي معنى كن إلا مقروناً ببيان وضعه بخلاف غيره من الأحاديث الضعيفة التي يحتمل صدقها في الباطن حيث جاز روايتها في الترغيب والترهيب"اه(124).



-->
من مواضيع حزن الشمال n

حزن الشمال n غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-19-2011, 06:20 AM   #4


 

 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 21,134
معدل تقييم المستوى: 3799387
حزن الشمال n has a reputation beyond reputeحزن الشمال n has a reputation beyond reputeحزن الشمال n has a reputation beyond reputeحزن الشمال n has a reputation beyond reputeحزن الشمال n has a reputation beyond reputeحزن الشمال n has a reputation beyond reputeحزن الشمال n has a reputation beyond reputeحزن الشمال n has a reputation beyond reputeحزن الشمال n has a reputation beyond reputeحزن الشمال n has a reputation beyond reputeحزن الشمال n has a reputation beyond repute
رد: الحديث المقلوب - تعريفه، وفوائده، وحكمه، والمصنفات فيه

أمّا مرتبة الحديث المقلوب:

فقد علمت مما سبق أن الحديث المقلوب إمّا أن يقع وهماً أو عمداً بقصد الإغراب أو بقصد الامتحان.

ووقوعه بقصد الامتحان خارج البحث هنا، إذ في مثل هذه الحالة لا تطلب مرتبة الحديث المقلوب!

ويبقى وقوع القلب وهماً أو عمداً بقصد الإغراب، فما هي مرتبة الحديث في هذه الحال؟

الجواب: سبق أن القلب عمداً بقصد الإغراب من أقسام الموضوع، وهذه جملة سبق الكثير من تفاصيلها قريباً في أوّل هذا المطلب، فلا يحسن التكرار.

ويبقى ما هي مرتبة الحديث المقلوب وهماً من الراوي؟

والجواب: الحديث المقلوب عموماً لا يخرج عن كونه معلولاً أو شاذاً(125).

ولكن هل كل شذوذ أو علة تخرج الحديث عن حيز القبول؟

أو بعبارة أخرى: هل كل علة أو شذوذ تقدح في ثبوت الحديث؟

الجواب: قد حرر أهل العلم أن وصف العلة والشذوذ المشترط انتفاؤه عن الصحيح والحسن إنما هو العلة القادحة والشذوذ القادح.

ومعنى هذا الكلام: أنه قد يجتمع وصف الصحة والحسن مع العلة والشذوذ بشرط أن لا تكون العلة قادحة، ولا يكون الشذوذ قادحاً!(126).

وعليه؛ فقد يجتمع وصف القلب والاضطراب مع الصحة أو الحسن، بشرط أن لايكون القلب والاضطراب قادحاً(127).

نعم إذا كان القلب قادحاً فالحديث ضعيف.



المقصد الرابع: كيف يُعْرَف القلب.

الأصل في معرفة وقوع القلب في الحديث وكشفه هو جمع طرقه والنظر فيها، ومقابلتها بأحاديث الثقات.

قال ابن حبان (ت354ه) رحمه الله، سمعت محمد بن إبراهيم بن أبي شيخ الملطي يقول: "جاء يحي بن معين (ت233ه) إلى عفان ليسمع منه كتب حمّاد ابن سلمة، فقال له: ما سمعتها من أحد؟ قال: نعم حدثني سبعة عشر نفساً عن حماد بن سلمة! فقال: والله لا حدّثتك! فقال: إنما هو وَهْم، وانحذر إلى البصرة واسمع من التبوذكي. فقال: شأنك!

فانحدر إلى البصرة، وجاء إلى موسى بن إسماعيل فقال له موسى: لم تسْمع هذه الكتب عن أحد؟

قال: سمعتها على الوجه من سلعة عشر نفساً وأنت الثامن عشر!

فقال: وما تصنع بهذا؟

فقال: إن حمّاد بن سلمة كان يخطيء فأردت أن أميِّز خطأه من خطأ غيره، فإذا رأيت أصحابه قد اجتمعوا على شيء علمت أن الخطأ من حماد نفسه، وإذا اجتمعوا على شيء عنه وقال واحد منهم بخلافهم علمت أن الخطأ منه لا من حمّاد، فأميِّز بين ما أخطأ هو بنفسه وبين ما أخطيء عليه"(128).

وقال يحي بن معين (ت233ه) رحمه الله: "لو لم نكتب الحديث من ثلاثين وجهاً ما عقلناه"(129).

ولا يتوقف الحال على هذا؛ بل هم يعتبرون حديثه بأحاديث الثقات.

عن عبدالرحمن بن مهدي (ت198ه) رحمه الله قال: "كنا عند شعبة (ت160ه) فسئل: يا أبا بسطام حديث من يترك؟ قال: من يكذب في الحديث، ومن يكثر الغلط، ومن يخطيء في حديث مجتمع عليه فيقيم على غلط فلا يرجع، ومن روى عن المعروفين ما لا يعرفه المعروفون. وليس يكفيه في الرجوع أن يمسك عن رواية ذلك الحديث في المستقبل حسب، بل يجب عليه أن يظهر للناس أنه كان قد أخطأ فيه وقد رجع عنه"(130).

وقال أحمد بن حنبل (ت241ه) رحمه الله: "توهمت أن بقية لا يحدِّث بالمناكير عن المشاهير فعلمت من أين أتي"(131).

قال الحاكم (ت405ه) رحمه الله: "إن الصحيح لا يعرف بروايته فقط، وإنما يُعرف بالفهم والحفظ وكثرة السماع وليس لهذا النوع من العلم عون أكثر من مذاكرة أهل الفهم والمعرفة ليظهر ما يخفى من علة الحديث"اه(132).

قال ابن حجر (ت852ه) رحمه الله: "إنما يظهر أمر (المقلوب) بجمع الطرق واعتبار بعضها ببعض ومعرفة من يوافق ممن يخالف فصار المقلوب أخص من المعلل والشاذ، فكل مقلوب لا يخرج عن كونه معللاً أو شاذاً"اه(133).

وكان من طرقهم في كشف القلب: أنهم يحفظون أحياناً النسخ الموضوعة وأحاديث المتهمين، وأحاديث غير الحافظين حتى إذا جاء أحد فقلبها فضحوا أمره، وصاحوا به!

قال ابن حبان (ت354ه) رحمه الله: "سمعت أحمد بن إسحاق السني الدينوري يقول: رأى أحمد بن حنبل (ت241ه) رضي الله عنه يحي بن معين (ت233ه) في زاوية بصنعاء وهو يكتب صحيفة معمر عن أبان عن أنس، فإذا اطّلع عليه إنسان كتمه، فقال أحمد بن حنبل رحمه الله له: تكتب صحيفة معمر عن أبان عن أنس، وتعلم أنها موضوعة فلو قال لك القائل: أنت تتكلم في أبان، ثم تكتب حديثه على الوجه؟

قال: رحمك الله يا أبا عبدالله أكتب هذه الصحيفة عن عبدالرزاق (ت211ه) عن معمر عن أبان عن أنس وأحفظها كلها، وأعلم أنها موضوعة حتى لا يجيء إنسان، فيجعل بدل أبان ثابتاً ويرويها عن معمر عن ثابت عن أنس، فأقول له: كذبت إنما هي أبان لا ثابت"(134).

وقد كان عليّ بن المديني (ت234ه) رحمه الله يتعمد حفظ أحاديث بعض المتهمين حتى لا يأتي أحدهم ويقلبه.

قال أبوغسان (ت219ه): جاءني عليّ بن المديني فكتب عني عن عبدالسلام بن حرب، أحاديث إسحاق بن أبي فروة فقلت: أي شيء تصنع بها؟ قال: أعرفها لا يقلب!(135).

قال يحي بن حسان: جاء قوم ومعهم جزء فقالوا: سمعناه من ابن لهيعة! فنظرت فإذا ليس فيه حديث واحد من حديث ابن لهيعة، فجئت إلى ابن لهيعة فقلت: ما هذا الذي حدثت به ليس فيه من حديثك و لا سمعتها قط؟! فقال: ما اصنع؟ يجيئوني بكتاب ويقولون: هذا من حديثك فأحدثهم به!"(136).

فإن قيل: إذا كان الراوي ثقة فلم لا يجوز أن يكون للحديث إسنادان عند شيخه حدّث بأحدهما مراراً وبالآخر مراراً؟

قلنا: هذا التجويز لا ننكره، ولكن مبنى هذا العلم على غلبة الظن، وللحفاظ طريق معروفة في الرجوع إلى القرائن في مثل هذا، وإنما يقول في ذلك منهم على النقاد المطلعين منهم، ولهذا كان كثير منهم يرجعون عن الغلط إذا نبهوا عليه(137).

قال ابن حجر رحمه الله: "كذا خطّأ يحي القطان (ت198ه) شعبة (ت160ه) حيث حدّثوه بحديث: "لايجد عبد طعم الإيمان حتى يؤمن بالقدر"، عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي. وقال: حدثنا به سفيان عن أبي إسحاق عن الحارث عن ابن مسعود وهذا هو الصواب.

ولا يتأتى ليحي أن يحكم على شعبة بالخطأ إلا بعد أن يتيقن الصواب في غير روايته، فأين هذا ممن يستروح فيقول مثلا: يحتمل أن يكون عند أبي إسحاق على الوجهين فحدّث به كل مرّة على أحدهما.

وهذا الاحتمال بعيد عن التحقيق إلا أن جاءت رواية عن الحارث يجمعهما ومدار الأمر عند أئمة هذا الفن على ما يقوى في الظن، أمّا الاحتمال المرجوح فلا تعويل عندهم عليه"اه(138).

ومما جاء في تخطئة بعض الحفاظ في أحاديث ورجوعهم عن الخطأ:

عن العلاء بن حسين قال: حدثنا سفيان بن عيينة (ت198ه) حديثاً في القرآن فقال له عبدالله بن زيد: ليس هو كما حدثت يا أبا محمد قال: وما علمك يا قصير؟ قال: فسكت عنه هنية، ثم قام إلى سفيان فقال يا أبا محمد أنت معلمنا وسيدنا فإن كنت أوهمت فلا تؤاخذني. قال: فسكت سفيان هنية ثم قال: يا أبا عبدالرحمن قال: لبيك وسعديك! قال: الحديث كما حدثت أنت، وأنا أوهمت"(139).

قال ابن عمار (ت242ه): رددت على المعافى بن عمران حرفاً في الحديث فسكت فلما كان من الغد جلس في مجلسه من قبل أن يحدث وقال: إن الحديث كما قال الغلام، قال: وكنت حينئذ غلاماً أمرد ما في لحيتي طاقة(140).

عن يحي بن معين (ت233ه) رحمه الله، قال: "حضرت مجلس نعيم بن حماد فجعل يقرأ كتاباً من تصنيفه قال فقرأ منه ساعة ثم قال: ثنا ابن المبارك (ت181ه) عن ابن عون، فذكر أحاديث فقلت له: ليس هذا عن ابن المبارك، فغضب، وقال: ترد عليّ!

قلت: نعم أريد بذلك زينك فأبى أن يرجع!

فقلت: والله ما سمعت أنت هذه الأحاديث من ابن المبارك من ابن عون فغضب هو وكل من كان عنده وقام فدخل البيت فأخرج صحائف فجعل يقول: نعم يا أبا زكريا غلطت، وكانت هذه صحائف يعني مجموعة فغلطت فجعلت أكتب من حديث ابن المبارك عن ابن عون وإنما رواها لي عن ابن عون غير ابن المبارك، قال: فرجع عنها"(141).

قال البخاري (ت256ه) رحمه الله: خرجت من الكتاب ولي عشر سنين فجعلت اختلف إلى الداخلي يعني فقال يوماً وهو يقرأ للناس: سفيان عن أبي الزبير عن إبراهيم فقلت له: يا أبا فلان إن أبا الزبير لم يروه عن إبراهيم فانتهرني فقلت له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك.

فدخل ونظر فيه ثم خرج فقال لي: كيف قلت يا غلام؟ قلت: هو الزبير بن عدي عن إبراهيم فقال: صدقت وأخذ القلم مني فاحكم كتابه. وكان للبخاري يومئذ إحدى عشرة سنة"(142).



المقصد الخامس: أمثلة للحديث المقلوب متناً

سبق عند تعداد فوائد معرفة الحديث المقلوب أمثلة للقلب في الأسماء، وسيأتي أثناء ذكر الأئمة الذين استعملوا الوصف بالقلب في عباراتهم ذكر جملة من الأحاديث التي انقلبت أسانيدها، وقد أفردت دراسة خاصة مستقلة في الأحاديث التي وقع القلب في متونها، أكتفي هنا منها بإيراد هذه الأمثلة، سائلاً الله تعالى التوفيق والهدى والرشاد والسداد!



الحديث الأول

قال مسلم رحمه الله: "حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى جَمِيعًا عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ قَالَ زُهَيْرٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ أَخْبَرَنِي خُبَيْبُ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

"سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: الْإِمَامُ الْعَادِلُ وَشَابٌّ نَشَأَ بِعِبَادَةِ اللَّهِ. وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ. وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ. وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ. وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ يَمِينُهُ مَا تُنْفِقُ شِمَالُهُ. وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ".

و قال مسلم: "حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَوْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِثْلِ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ وَقَالَ: وَرَجُلٌ مُعَلَّقٌ بِالْمَسْجِدِ إِذَا خَرَجَ مِنْهُ حَتَّى يَعُودَ إِلَيْهِ"(143).

قلت: وقع في سياق الحديث عند مسلم قلب، إذ قال: "وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ يَمِينُهُ مَا تُنْفِقُ شِمَالُهُ".

قال القاضي عياض (ت544ه) رحمه الله: "والمعروف الصحيح: "حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه"، وكذا وقع في الموطإ(144)والبخاري(145)وهو وجه الكلام؛ لأن النفقة المعهود فيها باليمين"اه(146).

وقال ابن حجر (ت852ه) رحمه الله، في شرحه لهذا الحديث: "وقع في صحيح مسلم مقلوبا: "حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله" وهو نوع من أنواع علوم الحديث أغفله ابن الصلاح وإن كان أفرد نوع المقلوب(147) لكنه قصره على ما يقع في الإسناد(148)، ونبه عليه شيخنا في محاسن الاصطلاح(149)...

وقال شيخنا (يعني: البُلقيني): ينبغي أن يسمى هذا النوع المعكوس(150). انتهى.

والأولى تسميته مقلوبا؛ فيكون المقلوب تارة في الإسناد وتارة في المتن كما قالوه في المدرج سواء، وقد سماه بعض من تقدم(151): (مقلوبا)."اه(152).

وقد اختلف في ممن وقع الوهم في هذه الرواية التي جاءت في صحيح مسلم:

قال عياض (ت544ه) رحمه الله: "يشبه أن يكون الوهم فيها من الناقلين عن مسلم، بدليل إدخاله بعده حديث مالك، وقال: "بمثل حديث عبيدالله"، وتحرّى الخلاف فيه في قوله: "رجل معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود" فلو كان مارواه خلافاً لرواية مالك لنبه عليه، كما نبّه على هذا"اه(153).

قلت: كذا قال رحمه الله، لكن نبه الحافظ ابن حجر إلى ورود ما يدل على أن الوهم فيه من شيخ مسلم أو من شيخ شيخه.

قال ابن حجر (ت852ه) رحمه الله: "وليس الوهم فيه ممن دون مسلم ولا منه بل هو من شيخه أو من شيخ شيخه: يحيى القطان؛ فإن مسلما أخرجه عن زهير بن حرب وابن نمير كلاهما عن يحيى وأشعر سياقه بأن اللفظ لزهير، وكذا أخرجه أبو يعلى في مسنده عن زهير، وأخرجه الجوزقي في مستخرجه عن أبي حامد بن الشرقي عن عبد الرحمن ابن بشر بن الحكم عن يحيى القطان كذلك، وعقبه بأن قال: سمعت أبا حامد بن الشرقي يقول: يحيى القطان عندنا واهم في هذا، إنما هو "حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه"(154).

قلت (ابن حجر): والجزم بكون يحيى هو الواهم فيه نظر؛ لأن الإمام أحمد قد رواه عنه على الصواب، وكذلك أخرحه البخاري هنا عن محمد بن بشار وفي الزكاة عن مسدد، وكذا أخرجه الإسماعيلي من طريق يعقوب الدورقي وحفص بن عمرو كلهم عن يحيى، (يعني: رووه على الصواب عنه).

وكأن أبا حامد لما رأى عبد الرحمن قد تابع زهيرا ترجح عنده أن الوهم من يحيى، وهو محتمل بأن يكون منه لما حدث به هذين خاصة، مع احتمال أن يكون الوهم منهما تواردا عليه.

وقد تكلف بعض المتأخرين توجيه هذه الرواية المقلوبة، وليس بجيد لأن المخرج متحد ولم يختلف فيه على عبيد الله بن عمر(155) شيخ يحيى فيه ولا على شيخه خبيب ولا على مالك رفيق عبيد الله بن عمر فيه.

وأما استدلال عياض على أن الوهم فيه ممن دون مسلم بقوله في رواية مالك مثل عبيد الله فقد عكسه غيره فواخذ مسلما بقوله مثل عبيد الله لكونهما ليستا متساويتين، والذي يظهر أن مسلما لا يقصر لفظ المثل على المساوي في جميع اللفظ والترتيب، بل هو في المعظم إذا تساويا في المعنى، والمعنى المقصود من هذا الموضع إنما هو إخفاء الصدقة والله أعلم"اه(156).

قلت: وهناك احتمال ثالث أرجح عندي من الاحتمالين السابقين: أن الوهم من عبيدالله بن عمر؛ فقد قال أبونعيم: "حدثنا أحمد بن يوسف بن خلاد، ثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، ثنا مسدد ثنا حمّاد بن زيد(157). ح وحدثنا محمد بن نصر ثنا عبدالله بن محمد بن زكريا ثنا محمد بن بكير ثنا عباد ابن عباد. وحدثنا عبدالله بن محمد ومحمد بن إبراهيم، قالا: ثنا أحمد بن علي حدثنا أبوخيثمة زهير بن حرب ثنا يحي بن سعيد. كلهم عن عبيدالله أخبرني خبيب بن عبدالرحمن عن حفص بن عاصم عن أبي هريرة عن النبي قال: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: الإمام العادل، وشاب نشأ في عبادة الله عزوجل، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم يمينه ما ينفق شماله ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه"(158).

قلت: وهذا السياق صريح في أن الوهم من عبيدالله إذ اتفق يحي بن سعيد وعباد بن عباد وحماد بن زيد في روايته عنه على الوهم!

وما وقع في صحيح البخاري وغيره(159)من رواية يحي عن عبيدالله بن عمر على الصواب بدون قلب، يحتمل أن عبيدالله رواه مرّة على الصواب ومرّة على الخطأ(160)، ويؤكد سلامة يحي بن سعيد من تعصيب الوهم به، والله اعلم!

الحديث الثاني

قال الطبراني (ت360ه) رحمه الله: "حدثنا إبراهيم قال: أخبرنا علي بن عثمان اللاحقي، قال: أخبرنا حماد بن سلمة عن أيوب وهشام عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم.

وحماد عن محمد بن زياد عن أبي هريرة: قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ذروني ما تركتكم،فإنما أهلك من كان قبلكم اختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بشيء فأتوه،وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه ما استطعتم"(161).

وهذا حديث مقلوب!(162)

قال الهيثمي (ت807ه) رحمه الله: "هو في الصحيح بعكس هذا"اه(163).

قلت: رواية الشيخين عكس هذا الذي عند الطبراني، وسياقها:

قال البخاري (ت256ه) رحمه الله: "حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:"دَعُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِسُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ"(164).

الحديث الثالث

قال الطحاوي (ت321ه) رحمه الله: "حدثنا أحمد بن أبي داود قال: حدثنا إبراهيم بن الحجاج قال: حدثنا وهيب، عن إسماعيل بن أمية ويحي بن سعيد وعبيدالله بن عمر، عن محمد بن يحي بن حبان، عن عمه واسع بن حبان، عن ابن عمر، قال: رقيت فوق بيت حفصة، فإذا أنا بالنبي صلى الله عليه وسلم جالس على مقعدته، مستقبل القبلة مستدبر الشام".

وقال أيضاً: "حدثنا ابن أبي داود قال: حدثنا ابن أبي مريم قال: حدثنا يحي ابن أيوب قال: حدثني محمد بن عجلان، عن محمد يحي، عن واسع بن حبان، عن ابن عمر، أنه قال: يتحدّث الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغائط بحديث، وقد اطلعت يوماً ورسول الله صلى الله عليه وسلم على ظهر بيت، يقضي حاجته، محجوباً عليه بلبن، فرأيته مستقبل القبلة"(165).

قال ابن حبان (ت354ه) رحمه الله: "أخبرنا الحسنُ بنُ سُفيان، قال: حدثنا إبراهيمُ بنُ الحجاج السَّامي، قال: حدثنا وهيبٌ، عن يحيى بنِ سعيدٍ الأنصاري، و إسماعيل بن أمية، وعبيدالله بن عمر، عن محمد بن يحيى بن حَبَّان، عن عمه: واسع بن حَبَّان، عن ابن عمر، قال: رقِيْتُ فَوْقَ بَيْتِ حَفْصَةَ، فَإِذا أَنَا بالنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، جَالِساً عَلَى مَقْعَدَتِهِ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ مُسْتَدْبِرَ الشَّامِ"(166).

قوله: "فرأيته مستقبل القبلة"، وفي الرواية الأخرى:"مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ مُسْتَدْبِرَ الشَّامِ" مقلوب!

والصواب ما جاء عند البخاري ومسلم:

قال البخاري (ت256ه) رحمه الله: "حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ عَنْ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: ارْتَقَيْتُ فَوْقَ ظَهْرِ بَيْتِ حَفْصَةَ لِبَعْضِ حَاجَتِي فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْضِي حَاجَتَهُ مُسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةِ مُسْتَقْبِلَ الشَّأْمِ".

وقال أيضاً: "حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ أَخْبَرَنَا يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ أَنَّ عَمَّهُ وَاسِعَ بْنَ حَبَّانَ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ قَالَ: "لَقَدْ ظَهَرْتُ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى ظَهْرِ بَيْتِنَا فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاعِدًا عَلَى لَبِنَتَيْنِ مُسْتَقْبِلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ"(167).

وقال مسلم (ت261ه) رحمه الله: "حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ يَعْنِي ابْنَ بِلَالٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ عَمِّهِ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ مُسْنِدٌ ظَهْرَهُ إِلَى الْقِبْلَةِ فَلَمَّا قَضَيْتُ صَلَاتِي انْصَرَفْتُ إِلَيْهِ مِنْ شِقِّي فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: يَقُولُ نَاسٌ إِذَا قَعَدْتَ لِلْحَاجَةِ تَكُونُ لَكَ فَلَا تَقْعُدْ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ وَلَا بَيْتِ الْمَقْدِسِ!

قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَلَقَدْ رَقِيتُ عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاعِدًا عَلَى لَبِنَتَيْنِ مُسْتَقْبِلًا بَيْتَ الْمَقْدِسِ لِحَاجَتِهِ".

وقال أيضاً: "حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ عَنْ عَمِّهِ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: رَقِيتُ عَلَى بَيْتِ أُخْتِي حَفْصَةَ فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاعِدًا لِحَاجَتِهِ مُسْتَقْبِلَ الشَّامِ مُسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةِ"(168).

نص على وقوع القلب في الحديث ابن حجر (ت852ه) رحمه الله(169) والسخاوي (ت902ه) رحمه الله(170)، واللكنوي (ت1304ه) رحمه الله(171).

قال السخاوي رحمه الله عن هذا الحديث: "فرواه ابن حبان كما في نسخة صحيحة معتمدة قديمة جداً من طريق وهيب عن بن عبيدالله بن عمر وغيره عن محمد بن يحي، بلفظ: "مستقبل القبلة مستدبر الشام"، ورواه عن الحسن بن سفيان عن إبراهيم بن الحجاج عن وهيب، وهو مقلوب!

وقد رواه الإسماعيلي في مستخرجه عن أبي يعلى عن إبراهيم فقال: "مستدبر القبلة مستقبل الشام" كالجادة فانحصر في الحسن بن سفيان أو ابن حبان"اه(172).

قلت: كذا قال رحمه الله! والواقع أنه بالنظر إلى الطريقين الذين عند الطحاوي لا يتعين أن القلب من ابن حبان أو شيخه الحسن بن سفيان، بل الذي يظهر لي والله أعلم أنه من يحي بن سعيد الأنصاري أو محمد بن يحي ابن حبان والله اعلم.



المقصد السادس: الأئمة الذين استعملوا في عباراتهم الوصف بالقلب!

جاء استعمال وصف القلب في عبارات أئمة الجرح والتعديل في أحيان كثيرة بذكر اسم (القلب)، وفي أحيان بذكر اسم (الإحالة) وفي أحيان (دخل حديث في حديث) وفي أحيان أخرى باسم (السرقة)، وأحياناً باسم (التدليس) مع ما يوضح أنه قلب، وأحياناً بذكر معناه وهيئته.

وأسوق أسماء الأئمة الذين وقفت لهم على عبارات في ذلك، دون استيعاب لجميع عباراتهم، فقط أورد بعضها للدلالة على أنهم استعملوا الوصف بالقلب، فمن هؤلاء:

1 شعبة بن الحجاج (ت160ه) رحمه الله.

ذكر الخطيب في كتابه "الجامع لأخلاق الراوي وأدب السامع"(173) بسنده عن بهز بن أسد العمي (مات بعد المائتين وقيل قبلها) وسأله حَرَمِيّ بن عمارة

(ت 201ه) عن أبان بن أبي عياش؟ فذكر له عن شعبة رحمه الله أنه قال: "كتبت حديث أنس عن الحسن وحديث الحسن عن أنس، فدفعتها إلى أبان بن أبي عياش، فقرأها عليّ". فقال حَرَمِيّ: بئس ما صنع وهذا يحل؟!".

قال شعبة رحمه الله: "أفادني ابن أبي ليلى أحاديث فإذا هي مقلوبة"(174).

2 حماد بن سلمة (ت167ه) رحمه الله.

عن حمّاد بن سلمة: "قلبت أحاديث على ثابت البناني فلم تنقلب، وقلبت على أبان بن أبي عياش فانقلبت"(175).

وقال: "كنت أسمع أن القصاص لا يحفظون الحديث، قال: فكنت أقلب الأحاديث على ثابت أجعل أنس لابن أبي ليلى وأجعل ابن أبي ليلى لأنس أشوش بينهما فيجريهما على السواء"(176).

3 حماد بن زيد (ت179ه) رحمه الله.

قال سليمان بن حرب عن حماد بن زيد: "ثنا علي بن زيد وكان يقلب الأحاديث. كان يحدثنا اليوم بالحديث ثم يحدثنا غداً فكأنه ليس ذلك"(177).

4 صدقة أظنه ابن خالد (ت184ه) رحمه الله.

قال صدقة: "دفن يوسف بن أسباط كتبه فكان بعد تنقلب عليه فلا يجيء به كما ينبغي فاضطرب في حديثه روى عنه أبو الأحوص"(178).

5 يحي بن سعيد القطان (ت198ه) رحمه الله

قال خلف بن سالم: حدثني يحي بن سعيد، قال: قدمت الكوفة وبها ابن عجلان وبها من يطلب الحديث: مليح بن وكيع، وحفص بن غياث، وعبدالله ابن إدريس، ويوسف بن خالد السمتي، فقلنا: نأتي ابن عجلان.

فقال يوسف بن خالد: نقلب على هذا الشيخ حديثه، ننظر تفهمه. قال: فقلبوا فجعلوا ماكان عن سعيد عن أبيه، وما كان عن ابيه عن سعيد، ثم جئنا إليه، لكن ابن إدريس تورّع وجلس بالباب وقال ك لا استحل، وجلست معه.

ودخل حفص، ويوسف بن خالد، ومليح، فسألوه، فمرّ فيها، فلما كان عند آخر الكتاب انتبه الشيخ فقال: أعد العرض فعرض عليه، فقال: ما سألتموني عن أبي فقد حدثني سعيد به، وما سألتموني عن سعيد فقد حدثني به أبي، ثم أقبل على يوسف بن خالد، فقال: إن كنت أردت شيني وعيبي فسلبك الله الاسلام، وأقبل على حفص، فقال: ابتلاك الله في دينك ودنياك، وأقبل على مليح، فقال: لا نفعك الله بعلمك!

قال يحي: فمات مليح ولم ينتفع به، وابتلي حفص في بدنه بالفالج، وبالقضاء في دينه، ولم يمت يوسف حتى اتهم بالزندقة"(179).

6 عبدالرحمن بن مهدي (ت198ه) رحمه الله.

قال ابن مهدي رحمه الله عن فرج بن فضالة: "حدّث عن أهل الحجاز بأحاديث منكرة مقلوبة"(180).

7 محمد بن إدريس الشافعي (ت204ه) رحمه الله:

لم يأت عنه صراحة اسم (القلب) في المتن، ولكن جاءت صورته، والعلماء مثلوا بها في المقلوب متناً، وهو ما جاء في كلام للبيهقي بعد روايته من طريق عبد الله يعني ابنَ عُمَرَ العُمَرِيَّ عن نافع عن ابنِ عُمَرَ: "أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قَسَمَ يومَ خَيْبَرَ للفارسِ سهمينِ، وللراجلِ سهماً". قال البيهقي (ت458ه) رحمه الله: "عبدُ الله العُمَرِيُّ كثيرُ الوَهَمِ. وقد رُوِيَ ذلكَ من وَجْهٍ آخَرَ عن القَعْنَبِيِّ عن عبدِ الله العُمَرِيِّ بالشكِ في الفارسِ أَو الفَرَسِ. قالَ الشَّافِعيُّ في القديمِ: كَأَنَّهُ سمعَ نافعاً يقولُ: للفرسِ سهمينِ وللرجلِ سهماً، فقالَ: للفارسِ سهمينِ وللراجلِ سهماً. وليسَ يَشُكُّ أحدٌ مِنْ أهل العلم في تَقْدِمَةِ عُبَيْدِ الله بنِ عُمَرَ على أخيه في الحِفْظِ"اه(181).

قلت: والشافعي يشير بهذا إلى أن عبدالله العمري قد وهم فقلب الحديث فقلب لفظ (الفرس) إلى (الفارس)، وجعل ما للفرس له، فصار الأمر: أن للفارس هو وفرسه: سهمين، وللراجل سهماً واحداً فقط، فقلب الحديث الذي كان: للراجل سهماً، وللفرس سهمين، فيصير للفرس وصاحبه ثلاثة أسهم!

8 أبو الوليد هشام بن عبدالملك الطيالسي (ت227ه) رحمه الله.

قال أبو الوليد الطيالسي رحمه الله، في الربيع بن صبيح السعدي: "كان الربيع لا يدلس، وكان المبارك أكثر تدليساً منه"(182).

قلت: مراده - والله اعلم - أن الربيع كان يقلب أسماء الرواة و أسانيد الأحاديث فيًظن تدليساً، وما هو بتدليس، وكان المبارك يتحقق فيه وصف التدليس أكثر من الربيع.

ويدل على نفي وصف التدليس عن الربيع قول عثمان بن سعيد الدارمي (ت280ه): "المبارك (بن فضالة) عندي فوق (الربيع بن صبيح) فيما سمع من الحسن، إلا أنه ربما دلّس"(183).



قلت: مفهوم هذا أن الربيع بن صبيح لا يدلس! ويؤكده ثبوت وصف الربيع بأن أحاديثه مقلوبة، كما قال عفان بن مسلم (ت261ه) رحمه الله: "أحاديثه كلها مقلوبة"(184).

9 يحي بن معين (ت233ه) رحمه الله.

قصته مع أبي نعيم الفضل بن دكين مشهورة!

قال ابن معين رحمه الله في الحسين بن فرج الخياط: "كذاب يسرق الحديث"(185).

وقال رحمه الله: "أحاديث زيد بن الحباب عن سفيان الثوري مقلوبة"(186).

قال ابن معين رحمه الله، في سليمان بن داود ابن الشاذكوني: "ابن الشاذكوني ليس بثقة، ولا مأمون، إذا بلغه حديث عن انسان قلبه عن غيره، لا ينبغي يكتب عنه الحديث ولا كرامة"(187).

10 ابن نمير (ت234ه) رحمه الله

قال ابن نمير رحمه الله في محمد بن يزيد بن محمد بن كثير العجلي أبوهشام الرِّفاعي: "كان أبوهشام يسرق الحديث"(188).

11 أحمد بن حنبل (ت241ه) رحمه الله.

قال عبدالله عن أبيه أحمد بن حنبل رحمهم الله، في حبيب بن أبي حبيب: "ليس بثقة. قال: قدم علينا رجل (أحسبه قال: من خراسان)كتب عنه كتاباً عن ابن أخي ابن شهاب عن عمه عن سالم والقاسم، فإذا هي أحاديث ابن لهيعة عن خالد بن أبي عمران، عن قاسم، وسالم. قال أبي: (أحالها) على ابن أخي ابن شهاب. قال أبي: كان يكذب، ولم يكن أبي يوثقه و لا يرضاه، وأثنى عليه شراً وسوء اً"(189).

استعمل الإمام أحمد هنا (الإحالة) بمعنى القلب!

وقال رحمه الله: "كان شعبة يقلب أسامي الرجال"(190).

وقال رحمه الله في عبدالرحمن بن عبدالله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العُمري، من أهل المدينة(191): "ليس بشيء. وقد سمعت منه ومزقته وكان يقلب حديث نافع عن ابن عمر يجعله عن عبدالله بن دينار". وقال مرّة: "أحاديثه مناكير".

12 محمد بن إسماعيل البخاري (ت256ه) رحمه الله.

قال البخاري رحمه الله، في عيسى بن عبدالرحمن بن فروة أبوعباد الزرقي.: "عيسى بن عبدالرحمن عن الزهري. روى عنه عمرو بن قيس منكر الحديث. وابن لهيعة عن عيسى بن عبدالرحمن عن الزهري مقلوب"(192).

وقال رحمه الله، في فرج بن فضالة بن النعمان بن نعيم التنوخي أبوفضالة الحمصي: "كان عبدالرحمن لا يحدث عن فرج بن فضالة ويقول: حدّث عن يحي ابن سعيد أحاديث منكرة مقلوبة"(193).

وقال في "زهير بن محمد": "أنا أتقي هذا الشيخ كأنه حديث موضوع وليس هذا عندي زهير بن محمد، وكان أحمد بن حنبل يضعف هذا الشيخ. ينبغي أن يكون قلب اسمه أهل الشام. يروون عن زهير بن محمد هذا مناكير"اه(194).

13 عفان بن مسلم (ت261ه).

قال عفان بن مسلم رحمه الله، في الربيع بن صبيح: "أحاديثه كلها مقلوبة"(195).



14 أبوالحسن أحمد بن عبدالله بن صالح الكوفي العجلي(ت261ه) رحمه الله.

قال: "ما خلق الله أحداً كان أعرف بالحديث من ابن معين (ت233ه) لقد كان يؤتى بالأحاديث قد خلطت وقلبت فيقول هذا كذا وهذا كذا فيكون كما قال"(196).

15 أبوزرعة الرازي (ت264ه) رحه الله.

قال أبوزرعة الرازي رحمه الله، في أسباط بن نصر الهمداني أبو يوسف ويقال أبو نصر الكوفي: "أمّا حديثه فيعرف وينكر وأمّا في نفسه فلابأس به. حدثنا محمد بن إدريس قال: سمعت أبا نعيم وقال له رجل: سمعت من أسباط بن نصر؟ قال: كان أسباط بن نصر يقلب الحديث. حدثنا محمد قال: سمعت أبا جعفر الجمال يذكر عن أبي نعيم، قال: ذكر له أسباط بن نصر، فقال: هالك هو"(197).

قال ابن أبي حاتم (ت327ه) رحمه الله: "سألته (يعني: أبازرعة): عن حديث أبي الأحوص عن سماك عن القاسم بن عبدالرحمن عن أبيه عن أبي بردة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اشربوا في الظروف و لا تسكروا".

قال أبوزرعة: فوهم أبوالأحوص فقال عن سماك عن القاسم عن أبيه عن أبي بردة قلب من الإسناد موضعاً وصحّف في موضع. أمّا القلب فقوله: عن أبي بردة أراد عن ابن بريدة ثم احتاج أن يقول ابن بريدة عن أبيه، فقلب (في المطبوع: فقلت) الإسناد بأسره، وأفحش في الخطأ!



وأفحش من ذلك وأشنع تصحيفه في متنه: "اشربوا في الظروق و لا تسكروا" وقد روي هذا الحديث عن ابن بريدة عن أبيه. أبوسنان ضرار بن مرة وزبيد اليامي عن محارب بن دثار. وسماك بن حرب والمغيرة بن سبيع، وعلقمة بن مرثد والزبير بن عدي وعطاء الخرساني وسلمة بن كهيل كلهم عن ابن بريدة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم: "نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث فامسكوا ما بدا لكم ونهيتكم عن النبيذ إلا في السقاء فاشربوا في الأسقية و لا تشربوا مسكراً" وفي حديث بعضهم قال: "واجتنبوا كل مسكر" ولم يقل أحد منهم: "ولاتسكروا" وقد بان وهم حديث أبي الأحوص من اتفاق هؤلاء المسمين (في المطبوع: وهو لا المشمس) على ما ذكرنا من خلافه"اه(198).

ورأيته يصف حديثاً بأنه مرسل مقلوب(199).

16 فضلك الرازي أبوبكر الفضل بن العباس (ت270ه) رحمه الله.

قال أبوأحمد العسال: سمعت فضلك الرازي يقول: دخلت على محمد بن حميد وهو يركب الأسانيد على المتون"(200).

17 محمد بن عوف (ت272ه) رحمه الله

قال محمد بن عوف، في عبدالوهاب بن الضحاك: قيل له: إنه كان يأخذ فوائد أبي اليمان فيحدث بها عن إسماعيل بن عياش، وحدّث بأحاديث كثيرة موضوعة. قال: فخرجت إليه فقلت: ألا تخاف الله! فضمن لي أن لا يحدِّث بها بعد ذلك(201).

18 أبوداود (ت275ه) صاحب السنن رحمه الله.

روى أبوعبيد الآجري عن أبي داود أنه قال: الحسن بن مدرك كذاب كان يأخذ أحاديث فهد بن عوف قيقلبها على يحي بن حمّاد"(202).

وفي الرواة مصعب بن سلام(203)، قال الآجري: "سألت أباداود عن مصعب بن سلام؟ فقال: ضعفوه بأحاديث انقلبت عليه أحاديث ابن شبرمة".

19 أبوحاتم محمد بن إدريس بن المنذر الرازي (ت277ه) رحمه الله.

قال ابن أبي حاتم رحمه الله: "سألت أبي (يعني: أباحاتم) وأبازرعة عن حديث رواه يحي بن يمان عن الثوري عن منصور عن خالد بن سعد عن أبي مسعود: أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف بالبيت فاستسقى فأتي بنبيذ فشمه فقطب وجهه فقيل: أحرام هو يارسول الله؟ قال: لا".

فقلت لهما: ما علة هذا الحديث؟ وهل هو صحيح؟

فقالا: أخطأ ابن يمان في إسناد هذا الحديث وروى هذا الحديث عن الثوري عن الكلبي عن أبي صالح عن المطلب بن أبي وداعة عن النبي صلى الله عليه وسلم!

قال أبي: والذي عندي أن يحي بن يمان دخل حديث له في حديث:

رواه الثوري عن منصور عن خالد بن سعد مولى أبي مسعود: "أنه كان يشرب نبيذ الجر".

وعن الكلبي عن أبي صالح عن المطلب عن النبي صلى الله عليه وسلم: إنه كان يطوف بالبيت... الحديث؛ فسقط عنه إسناد الكلبي فجعل اسناد منصور عن خالد عن أبي مسعود لمتن حديث الكلبي.

وقال أبوزرعة: وهم فيه يحي بن يمان إنما هو الثوري عن الكلبي عن أبي صالح عن المطلب عن النبي صلى الله عليه وسلم"اه(204).

20 عبدالرحمن بن خراش (ت283ه)، رحمه الله.

قال عبدان: قلت لعبدالرحمن بن خراش (ت283ه): هذه الأحاديث التي يحدث بها غلام خليل من أين له؟ قال: سرقها من عبدالله بن شبيب وسرقها عبدالله بن شبيب من النضر بن سلمة شاذان ووضعها شاذان"(205).

21 البرذعي أبوعثمان سعيد بن عمرو (ت292ه) رحمه الله.

قال البرذعي: "سمعت أبازرعة يقول: هشام بن سعد واهي الحديث. أتقنت ذلك عن أبي زرعة، وهشام عند غير أبي زرعة أجل من هذا الوزن، فتفكرت فيما قال أبوزرعة؛ فوجدت في حديثه وهماً كبيراً، من ذلك: أنه حدّث عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة: في قصة المواقع في رمضان، وقد روى أصحاب الزهري قاطبة، عن الزهري عن حميد بن عبدالرحمن وليس من حديث أبي سلمة، وقد حدّث به وكيع، عن هشام، عن الزهري، عن أبي هريرة، كأنه أراد الستر على هشام في قوله عن أبي سلمة"(206). قلت: فقلب هشام الحديث فجعله عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة! وهذا من البرذعي ذكر للقلب عن طريق ذكر صورته!

22 صالح بن محمد الأسديُّ الحافظ، صالح جزرة (ت293ه) رحمه الله.

قال صالح جزرة، في محمد بن حميد: "كنا نتهم ابن حميد في كل شيء، ما رأيت أجرأ على الله منه. كان يأخذ أحاديث الناس فيقلب بعضها على بعض".

وقال: "كان كل ما بلغه من حديث سُفيان يُحيله على مِهْران، وما بلغه من حديث منصور يُحيله على عَمرو بن أبي قيس، وما بلغه من حديث الأعمش يحيله على مثل هؤلاء، وعلى عَنْبَسة، ثم قال: كل شيء كان يحدثنا ابن حُميد كنا نتهمه فيه. وقال في موضع آخر: كانت أحاديثه تزيد وما رأيت أحداً أجرأ على الله منه، كان يأخذ أحاديث الناس فيقلب بعضها على بَعْضٍ. وقال في موضع آخر: ما رأيتُ أحداً (أحذق)، بالكَذِب من رَجُلَين: سُلَيْمان الشَّاذكونيّ، ومحمد بن حُميد الرازي، كان يُحْفَظ حديثه كله، وكان حديثه كل يوم يَزِيد"(207).

23 أحمد بن شعيب النسائي (ت303ه) رحمه الله.

قال النسائي رحمه الله، في النعمان بن راشد الرقي: "ضعيف كثير الغلط".

وقال مرّة: "أحاديثه مقلوبة".

وقال مرّة: "ضعيف"(208).

24 عبدان الأهوازي، عبدالله بن أحمد بن موسى (ت306ه) رحمه الله.

قال ابن عدي (ت365ه) رحمه الله: "سمعت عبدان يقول: قلت لعبدالرحمن بن خراش: هذه الأحاديث التي يحدث بها غلام خليل من أين له؟ فقال: سرقه من عبدالله بن شبيب وسرقه ابن شبيب من النضر بن سلمة شاذان ووضعها شاذان"(209).

25 ابن خزيمة (ت311ه) رحمه الله

ذكر صورة القلب في المتن، وقال: "قلب ابن نمير المتن على مارواه أبومعاوية. وتابع شعبة في معنى المتن! وشعبة وابن نمير أولى بمتن الخبر من أبي معاوية، وتابعهما أيضا سيار أبوالحكم عن أبي وائل عن عبدالله قال: خصلتان أحداهما سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم والأخرى أنا أقولها. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من مات وهو يجعل لله نداً دخل النار، وأنا أقول: من مات وهو لا يجعل لله نداً دخل الجنة"اه(210).

26 أبوحاتم محمد بن حبان البستي (ت354ه) رحمه الله.

وكلامه في ذلك كثير جداً، لا تكاد تمر صفحات من كتابه المجروحين إلا وتجد له وصفاُ بالقلب أو السرقة! وهو أكثر أئمة الجرح والتعديل وصفاً بالقلب! فمن ذلك:

قوله في ترجمة أبان بن أبي عياش: "سمع عن أنس بن مالك أحاديث وجالس الحسن فكان يسمع كلامه ويحفظه فإذا حدث ربما جعل كلام الحسن الذي سمعه من قوله عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو لا يعلم. ولعله روى عن أنس أكثر من ألف وخمسمائة حديث ما لكبير شيء منها أصل يرجع إليه"اه(211).

وقوله في إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم أبي إسحاق البغدادي: "كان يقلب الأخبار ويسرق الحديث، فعمد إلى حديث تفرد به رجل واحد لم يره فجاء به عن شيخ آخر" ثم قال: "فالاحتياط في أمره الاحتجاج بما وافق الثقات من الأخبار وترك ما انفرد به من الآثار"اه(212).

وقوله في إبراهيم بن إسحاق الواسطي: "شيخ يروي عن ثور بن يزيد ما لا يتابع عليه، وعن غيره من الثقات المقلوبات، على قلة روايته. لا يجوز الاحتجاج به"اه(213).

27 ابن عدي (ت365ه) رحمه الله.

وكلامه رحمه الله في وصف الرواة بالقلب والسرقة كثير، وقد لهج في كتابه الكامل باستعمال وصف سرقة الحديث، فهو أكثر الأئمة استعمالاً لهذا الوصف في الرواة المتكلم فيهم! فمن ذلك:

قوله في إبراهيم بن بكر الشيباني، الأعور: "كان ببغداد يسرق الحديث.... ثم قال: وإبراهيم بن بكر هذا هو الشيباني يسرق هذا الحديث من الهذيل و لا أعلم له كبير رواية وأحاديثه إذا روى إما أن تكون منكرة بإسناده أو مسروقاً ممن تقدمه"اه(214).

وقوله في إبراهيم بن عبدالسلام المخزومي المكي: "ليس بمعروف. حدّث بالمناكير. وعندي أنه يسرق الحديث"(215).

وقوله في أحمد بن الحسن بن أبان: "حدّث عن أبي عاصم بأحاديث مناكير عن ابن عون وعن الصوري وشعبة، ويسرق الحديث، ضعيف"اه(216).

28 أبوأحمد الحاكم (ت378ه) رحمه الله.

قال أبو أحمد الحاكم (ت378ه) رحمه الله في محمد بن عبدالرحمن بن أبي ليلى: "عامة أحاديثه مقلوبة"(217).

29 علي بن عمر الدارقطني (ت385ه) رحمه الله.

قال الدارقطني رحمه الله، في عبدالوهاب بن الضحاك: "له مقلوبات وبواطيل"(218).

قال الدارقطني رحمه الله، في عبيدالله بن تمام: "بصري. عن التيمي وداود ابن أبي هند ويونس أحاديث مقلوبة"(219).

وفي علل الدارقطني:

"735 وسئل عن حديث شقيق عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا عالم أو متعلم وذكر الله"؟

فقال: يرويه عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان. واختلف عنه؛ فرواه أبو المطرف مغيرة بن مطرف عن بن ثوبان عن عبدة ابن أبي لبابة عن شقيق عن عبد الله!

وهذا إسناد مقلوب؛ وإنما رواه ابن ثوبان عن عطاء بن بن قرة عن عبد الله ابن ضمرة عن أبي هريرة وهو الصحيح"اه(220).



وفيها أيضاً: "1061 وسئل: عن حديث خالد بن سعيد عن أبي مسعود: "أن النبي صلى الله عليه وسلم عطش فاستسقى بنبيذ من السقاية فشمه فقطب فدعا بماء فصبه عليه وشربه"؟

فقال: يرويه يحيى بن يمان عن الثوري عن منصور عن خالد بن سعيد عن أبي مسعود.

ويقال: إن يحيى وهم فيه وإنما روى الثوري يعني هذا عن الكلبي عن أبي صالح عن المطلب بن أبي وداعة عن النبي صلى الله عليه وسلم!

والكلبي متروك الحديث. ولا يحفظ هذا من حديث منصور إلا من رواية يحيى بن يمان عن الثوري. وقد تابعه عبد العزيز بن أبان وهو متروك عن الثوري.

وتابعهما أيضا اليسع بن إسماعيل وهو ضعيف عن زيد بن الحباب عن الثوري.

وإنما حديث الكلبي الذي عند الناس والثوري عن منصور عن خالد ابن سعد عن أبي مسعود: "إنه كان يمسح على الجوربين"؛ فيقال: إن يحيى بن يمان انقلب عليه هذا الحديث ودخل عليه في حديث الكلبي عن أبي صالح عن المطلب والله أعلم!

حدثنا محمد بن سليمان بن علي وأحمد ابن محمد بن بحر العطار بالبصرة قالا: ثنا إسحاق بن إبراهيم بن حبيب قال: ثنا يحيى بن يمان عن سفيان عن منصور عن خالد بن سعد عن أبي مسعود: "إن النبي صلى الله عليه وسلم عطش وهو يطوف فاستسقى فأتى بنبيذ من السقاية فشمه..." الحديث"اه(221).



30 أبوسليمان الخطابي (ت388ه) رحمه الله

قال الخطابي رحمه الله: "ولا أعلم خلافاً بين أهل الحديث في أن هذا الخبر لم يصح مسنداً عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا من رواية عمر بن الخطاب رضي الله، وقد غلط بعض الرواة فرواه من طريق أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم.

حدثنا إبراهيم بن فراس قال حدثناه موسى بن هارون، قال حدثنا نوح بن حبيب قال: حدثنا عبدالمجيد بن عبدالعزيز بن أبي رواد قال: حدثنا مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنية ولكل امريء مانوى". فذكر نحواً من حديث عمر رضي الله عنه، وهذا عند أهل المعرفة بالحديث: مقلوب، وإنما هو إسناد حديث آخر ألصق به هذا المتن! ويقال: إن الغلط إنما جاء فيه من قبل نوح بن حبيب البذشي"اه(222).

31 أبوعبدالله الحاكم (ت405ه) رحمه الله.

قال الحاكم (ت405ه) رحمه الله، في سعيد بن داود الزنبري: "يروي عن مالك أحاديث مقلوبة وصحيفة أبي الزناد أيسر من غيرها، فإن أحاديث أبي الزناد محفوظة، وإن لم يكن لمالك في بعضها أصل. وقد روى خارج النسخة عن مالك أحاديث موضوعة"(223).

وقال ايضاً رحمه الله: "يزيد بن أبي زياد كان يذكر بالحفظ فلما كبر ساء حفظه فكان يقلب الأسانيد ويزيد في المتون و لا يميز"(224).

32 أبونعيم الأصبهاني (ت430ه) رحمه الله.

قال أبونعيم رحمه الله، عن علي بن سعيد بن شهريار: "روى عن يزيد بن هارون (ت206ه) والأنصاري حديثين مقلوبين"(225).

33 أحمد بن الحسين البيهقي (ت458ه) رحمه الله.

قال البيهقي رحمه الله في أحد الراوة: "كان يقلب الأسانيد ويسرق الحديث حتى كثر ذلك في روايته وسقط عن حد الاحتجاج". وقال مرّة: "ضعيف"(226).

وقال مرّة: "أخبرناه أبو سعدٍ المَالِيْنِيُّ أنبأ أبو أحمدَ بنُ عَدِيَ الحافظُ أنبأ الحسنُ بنُ سفيانَ ثنا أبو مَعْمَرٍ ثنا ابنُ يَمَانٍ ح وأنبأ أبو بكرِ بنُ الحارثِ الأَصْبِهَانِيُّ أنبأ عليُّ بنُ عُمَرَ الحافظُ ثنا أبو علي محمد بنُ سليمانَ وأحمد ابنُ محمدِ بنِ بحرٍ العَطَّارُ جميعاً بالبَصْرَةِ قالا ثنا إسحقُ بنُ إبراهيمَ بنِ حبيبِ ابنِ الشهيدِ ثنا يحيى بنُ يَمَانٍ عن سفيانَ عن منصورٍ عن خالد بن سعدٍ عن أبي مسعودٍ الأنصاريِّ قالَ: عَطِشَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حولَ الكعبةِ، فَاسْتَسْقَى فَأُتِيَ بنبيذٍ من السقايةِ، فَشَمَّهُ فَقَطَّبَ، فقالَ: "عَلَيَّ بِذَنُوبٍ مِنْ زَمْزَمَ"، فَصَبَّهُ عليهِ، ثم شَرِبَ، فقالَ رجلٌ: حَرَامٌ هو يا رسولَ الله، قالَ: "لا". لفظُ حديثِ الشَّهِيدِيِّ.

وحديثُ أبي مَعْمَرٍ مختصرٌ: سُئِلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم وهو في الطوافِ: أَحَلاَلٌ هو أَمْ حَرَامٌ، قالَ: "حَلالٌ" يعني النبيذَ.

قالَ عليُّ بنُ عُمَرَ (هو الدارقطني): هَذَا حديثٌ معروفٌ بيحيى بنِ يَمَانٍ، ويقالُ: إِنَّهُ انْقَلَبَ عليهِ الإسنادُ واخْتَلَطَ بحديثِ الكَلْبِيِّ عن أبي صالحٍ، والكَلْبِيُّ متروكٌ، وأبو صالحٍ ضعيفٌ. ثم قال: "أخبرنا أبو عبد الرحمن السُّلَمِيُّ أنبأ أبو الحسن المحموديُّ ثنا أبو عبد الله محمد بن علي الحافظ ثنا أبو موسى قالَ: ذَكَرْتُ لعبدِ الرحمنِ بنِ مَهْدِيَ حديثَ سفيانَ عن منصورٍ في النبيذِ قالَ: لا تُحَدِّثْ بِهَذَا.

قال الشيخ: وقد سَرَقَهُ عبدُ العزيزِ بنُ أَبَانَ فرواهُ عن سفيانَ، وسَرَقَهُ اليَسَعُ بنُ إسمعيلَ فرواهُ عن زيدِ بنِ الحُبَابِ عن سفيانَ، وعبدُ العزيزِ بنُ أَبَانَ متروكٌ، واليَسَعُ بنُ إسمعيلَ ضعيفُ الحديثِ"اه(227).

وقال أيضاً: “سمعتُ أَبَا عبدِ الله الحافظَ يقولُ: سمعتُ أَبَا عبدِ الله محمدَ ابنَ يعقوبَ الحافظَ غيرَ مرةٍ يقولُ: كانَ أبو بكرٍ الجَارُودِيُّ إِذَا مَرَّ بقبرِ جَدِّهِ في مقبرةِ الحسينِ بنِ معاذٍ يقولُ: يا أَبةِ، لو لَمْ تُحَدِّثْ بِحَدِيثِ بَهْزِ بنِ حَكِيمٍ لَزُرْتُكَ.

قال الشيخ: وقد سَرَقَهُ عنهُ جماعةٌ من الضعفاءِ، فَرَوَوْهُ عن بَهْزِ بنِ حكيمٍ، ولم يَصِحَّ فيهِ شىءٌ"اه(228).

34 أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي (ت463ه) رحمه الله.

قال الخطيب البغدادي رحمه الله، في ترجمة سعيد بن داود الزنبري: "سكن بغداد وحدّث بها عن مالك، وفي أحاديثه نكرة، ويقال: قلبت عليه صحيفة ورقاء عن أبي الزناد فرواها عن مالك"(229).

هذا ما تيسر لي الوقوف عليه من أسماء الأئمة الذين استعملوا في عبارات وألفاظ الجرح والتعديل اسم القلب أو السرقة، أو ما يدل عليهما، وبعد الخطيب يأتي الإمام الجامع لأطراف أنواع علوم الحديث أعني ابن الصلاح رحمه الله ثم الأئمة من بعده وقد أفردوا المقلوب في كتبهم بنوع خاص من أنواع علوم الحديث، وقد نقلت عباراتهم في التعريف بهذا النوع في المقصد الأول.

ولعل من أهم الملاحظات العامة التي أسجلها هنا الأمور التالية:

1 في جميع عبارات هؤلاء الأئمة الذين وقفت على كلامهم لم أجد بوضوح الإشارة إلى القلب في المتن، إلا ما رأيته في عبارة ابن خزيمة (ت311ه) رحمه الله، والبيهقي (ت458ه) رحمه الله!

نعم جاءت صورة القلب في المتن في عبارة الإمام الشافعي، لكن ليس فيها تصريح باسم القلب!

وهذا يبين لك سبباً من الأسباب التي دعت الحافظ ابن الصلاح أن يقتصر في تعريف المقلوب بالمثال على صورتين فقط وهما ما تكرر في عبارات هؤلاء الأئمة الأعلام!

2 تبين من خلال التسلسل التاريخي أن استعمال القلب للكشف عن حال الرواة جرى في القرن الثاني قبل المائتين، خلافاً لما ذكره الذهبي (ت748ه) رحمه الله حيث قال: "لم يكن ظهر لهم قلب الأسانيد على الشيوخ، إنما فعل هذا بعد المئتين.."اه(230)؛ فقد اثبت التتبع والتسلسل التاريخي أنهم استعملوه قبل المئتين كما تراه مع شعبة (ت160ه) وحماد بن زيد (ت167ه) رحمهما الله، ويؤكد هذا أن التلقين أمر معروف قديماً وصورته صورة القلب!

نعم إذا أراد الحافظ الذهبي أنه بعد المئتين اشتهر وتفشى فهذا هو الواقع، والله اعلم!

3 أن الإمام ابن حبان (ت354ه) رحمه الله قد لهج في كتابه المجروحين باستعمال الوصف ب (القلب)، كما لهج الإمام ابن عدي (ت365ه) رحمه الله في كتابه في الضعفاء باستعمال الوصف ب (السرقة)!

4 للعلماء عبارات متنوعة عن القلب أشهرها (القلب)، ثم (الإحالة)، إدخال حديث في حديث، وأنهم يعبرون في بعض الرواة بحسب حالهم من الضبط ب (السرقة)، أو (التدليس).



المقصد السابع: المصنفات في الحديث المقلوب

لم أقف على شيء من المصنفات في الحديث المقلوب، لكن وقفت على تسمية بعض الكتب في هذا العلم، وهي الآتية:

1 للخطيب البغدادي (ت463ه) رحمه الله تعالى، كتاب في المقلوب في الأسماء. ذكره الحافظ ابن الصلاح رحمه الله في آخر كلامه عن النوع السادس والخمسون: معرفة الرواة المتشابهين في الاسم والنسب المتمايزين بالتقديم والتأخير في الابن والأب، فقال عن هذا النوع: "مثاله: (يزيد بن الأسود)، و(الأسود بن يزيد):

فالأول: يزيد بن الأسود الصحابي، (الخزاعي)، و(يزيد بن الأسود الجرشي)، أدرك الجاهلية، وأسلم، وسكن الشام، وذكر بالصلاح، حتى استسقى به معاوية في أهل دمشق، فقال: "اللهم إنا نستشفع إليك اليوم بخيرنا وأفضلنا". فسقوا للوقت، حتى كادوا لا يبلغون منازلهم.

والثاني: (الأسود بن يزيد النخعي)، التابعي الفاضل.

ومن ذلك (الوليد بن مسلم)، و(مسلم بن الوليد).

فمن الأول: (الوليد بن مسلم البصري التابعي)، الراوي عن جندب بن عبد الله البَجلي. والوليد بن مسلم الدمشقي المشهور، صاحب (الأوزاعي)، روى عنه (أحمد بن حنبل) والناس.

والثاني: (مسلم بن الوليد بن رباح المدني)، حدث عن أبيه وغيره، روى عنه عبد العزيز الدراوردي وغيره، وذكره (البخاري) في (تاريخه) فقلب اسمه ونسبه، فقال: (الوليد بن مسلم) وأُخذ عليه ذلك.



وصنف (الخطيب الحافظ) في هذا النوع كتاباً سماه (كتاب رافع الارتياب في المقلوب من الأسماء والأنساب) وهذا الاسم ربما أوهم اختصاصه بما وقع فيه مثل الغلط المذكور في هذا المثال الثاني، وليس ذلك شرطاً فيه، وأكثره ليس كذلك، فما ترجمناه به إذا أولى، والله أعلم‏"اه(231).

وقد سمى هذا النوع الحافظ العراقي (ت804ه) رحمه الله في ألفيته: "المشتبه المقلوب"(232)، وتابعه على هذه التسمية الحافظ السيوطي (ت911ه) في ألفيته(233).

وسمّاه ابن الجزري (ت833ه) رحمه الله: "من وافق اسمه اسم والد الآخر واسم والد الآخر اسمه"(234).

وقال عن هذا النوع الحافظ السخاوي (ت902ه) رحمه الله: "هذا فن حسن وهو موافقة اسم الراوي لاسم والد راو آخر واسم أبيه لاسمه، فربما اتفق انقلاب أحدهما بحيث يكونان متفقين في الاسم واسم الأب، وللخطيب فيه رافع الارتياب"اه(235).

قلت: فهذا الكتاب لا يختص بالمقلوب وهماً أو عمداً، إنما هو أعم من ذلك، بخلاف ما تشعر به عبارة الحافظ ابن حجر (ت852ه) رحمة الله عليه حيث قال: "إن كانت المخالفة بتقديم أو تأخير أي: من الأسماء ك "مرة بن كعب" و "كعب بن مرة" لأن اسم أحدهما اسم أبي الآخر، فهذا هو "المقلوب". وللخطيب فيه كتاب "رفع الارتياب""اه(236).

وقال السخاوي (ت902ه) رحمه الله تلميذ ابن حجر، أثناء كلامه عن المقلوب السندي: "ومن هذا القسم ما يقع الغلظ فيه بالتقديم في الأسماء والتأخير ك (مرة بن كعب) فيجعله (كعب بن مرة) و (مسلم بن الوليد) فيجعله (الوليد بن مسلم)، ونحو ذلك مما أوجبه كون اسم أحدهما اسم أبي الآخر.

وقد صنف كل من الخطيب وشيخنا في هذا القسم خاصة؛

فأمّا الخطيب ففيما كان من نمط المثال الأخير فقط وسمّاه (رافع الارتياب في المقلوب من الأسماء والأنساب) وهو مجلد ضخم"اه(237).

فتحصلنا من جميع ما سبق الأمور التالية:

أن للخطيب كتاباً اسمه "رافع الإرتياب في المقلوب من الأسماء والأنساب".

أن موضوع الكتاب في موافقة اسم الراوي لاسم والد راو آخر واسم أبيه لاسمه، فربما اتفق انقلاب أحدهما بحيث يكونان متفقين في الاسم واسم الأب.

أن الكتاب ليس مقصوراً على أسماء الرواة الذين وقع فيها القلب، بل هو أعم من ذلك. ومن فوائده: أمن توهم القلب(238).

2 ولابن البُلْقِيني جلال الدين أبي الفضل عبدالرحمن بن عمر بن رسلان (ت824ه) رحمه الله، جزء مفرد جمع فيه مقلوب المتن، ونظمها في أبيات.

قال الحافظ السخاوي (ت902ه) رحمه الله في كلامه عن الأحاديث المقلوبة متناً: "ما اعتنى بجمعها بل ولا بالإشارة إليها إلا أفراد منهم من المتأخرين: الجلال ابن البُلْقِيني، في جزء مفرد ونظمها في أبيات"اه(239).

وقال أيضاً رحمه الله: "وقد أفرد الجلال البلقيني رحمة الله تعالى عليه كثيراً من أمثلة هذا النوع (يعني: المقلوب متناً) لكن لا نطيل بإيرادها"اه(240).

قلت: ولم أقف على كتابه، وقد اعتنيت بجمعها وتتبعها بقدر ما تيسر لي، وخرّجتها وأفردتها بدراسة خاصة ولله الحمد على توفيقه!



3 ولشمس الدين محمد بن عبدالله بن محمد القيسي الدِّمشقي المعروف ب "ابن ناصر الدين" (ت842ه) رحمه الله كتاب اسمه: "السراق والمتكلم فيهم من الرواة"(241).

وموضوعه كما يظهر من ترجمته: في جمع الرواة الذين وصفوا بسرقة الحديث، وهم داخلون في الرواة الموصوفون بقلب الحديث، وقد جمعتهم في معجم، أفردته لتراجم مختصرة لهم، ولله الحمد والمنة!

4 ولابن حجر (ت852ه) رحمه الله كتاب في المقلوب، سمّاه: "جلاء القلوب في معرفة المقلوب"، ويُسمى "نزهة القلوب في معرفة المبدل والمقلوب"، وورد اسمه في بعض المصادر: "نزهة القلوب في معرفة المبدل من المقلوب"(242).

ذكره تلميذه السخاوي (ت902ه) رحمه الله ونقل من مقدمته مع زيادة وحذف منه، فقال: "وأمّا شيخنا (يعني: ابن حجر) فإنه أفرد من علل الدارقطني (ت385ه) مع زيادات كثيرة ماكان من نمط المثالين اللذين قبله(243). وسمّاه "جلاء القلوب في معرفة المقلوب" وقال: إنه لم يجد من أفرده مع مسيس الحاجة إليه بحيث أدّى الإخلال به إلى عدِّ الحديث الواحد أحاديث إذا وقع القلب في الصحابي، ويوجد في كلام الترمذي (ت279ه) فصلاً عمن دونه حيث يقال: وفي الباب عن فلان وفلان، ويكون الواقع إنه حديث واحد اختلف على راويه.

وقد كان بعض القدماء يبالغ في عيب من وقع له ذلك، فروينا في مسند الإمام أحمد(244)عن يحي بن سعيد القطان (ت198ه) أنه قال: حدّث سفيان الثوري (ت161ه) عن عبيدالله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا تصحب الملائكة رفقة فيها جرس فقلت له: تعست يا أبا عبدالله (أي: عثرت) فقال: كيف هو؟ قلت: حدثني عبيدالله بن عمر عن نافع عن سالم عن أبي الجراح عن أم حبيبة عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال: صدقت.

وقد اشتمل هذا الخبر على عظم دين الثوري وتواضعه وإنصافه، وعلى قوّة حافظة تلميذه القطان وجرأته على شيخه حتى خاطبه بذلك ونبهه على عثوره حيث سلك الجادة لأن جلّ رواية نافع هي عن ابن عمر، فكان قول الذي يسلك غيرها إذا كان ضابطاً أرجح.

كذا خطّأ يحي القطان شعبة (ت160ه) حيث حدّثوه بحديث: "لايجد عبد طعم الإيمان حتى يؤمن بالقدر"، عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي. وقال: حدثنا به سفيان عن أبي إسحاق عن الحارث عن ابن مسعود وهذا هو الصواب، و لا يتأتى ليحي أن يحكم على شعبة بالخطأ إلا بعد أن يتيقن الصواب في غير روايته، فأين هذا ممن يستروح فيقول مثلا: يحتمل أن يكون عند أبي إسحاق على الوجهين فحدّث به كل مرّة على أحدهما.

وهذا الاحتمال بعيد عن التحقيق إلا إن جاءت رواية عن الحارث يجمعهما ومدار الأمر عند أئمة هذا الفن على ما يقوى في الظن، أمّا الاحتمال المرجوح فلا تعويل عندهم عليه"اه(245).

قال السخاوي عقب ما نقله عن شيخه ابن حجر من مقدمة كتابه "جلاء القلوب": "واختار في تسمية قسمي العمد: الإبدال لا القلب"اه(246).

هذا هو ما وقفت عليه من أسماء المصنفات في هذا النوع الحديثي!

سائلاً الله تعالى التوفيق والهدى والرشاد والسداد.
-->
من مواضيع حزن الشمال n

حزن الشمال n غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة



الساعة الآن 11:22 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.6.0 TranZ By Almuhajir