منتديات هتوف  

العودة   منتديات هتوف > إسلامُنـا > أحكام الدين - واجبات المسلم - أذكار > تفسير القرآن الكريم

تفسير القرآن الكريم تفسير القرآن الكريم , تفسير القرآن الكريم للشعراوي و ابن الكثير و ابن عثيمين و الكثير من الشيوخ



إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 06-27-2012, 09:55 AM   #13
ابو ابتسام
 
الصورة الرمزية ناصر السنة
 
تاريخ التسجيل: Jun 2012
الدولة: في عالم الدنيا الفانية
المشاركات: 61
معدل تقييم المستوى: 0
ناصر السنة is on a distinguished road
افتراضي رد: سَنَدُنَا بِكِتَابِ الْبُرْهَانِ فِي عُلُومِ الْقُرْآنِ

[ ص: 149 ] النوع الثالث

معرفة الفواصل ورءوس الآي .

وهي كلمة آخر الآية ، كقافية الشعر وقرينة السجع . وقال الداني : " كلمة آخر الجملة " . قال الجعبري : " وهو خلاف المصطلح ، ولا دليل له في تمثيل سيبويه ( يوم يأت ) ( هود : 105 ) و ( ما كنا نبغ ) ( الكهف : 64 ) وليسا رأس آية ; لأن مراده الفواصل اللغوية لا الصناعية ، ويلزم أبا عمرو إمالة ( من أعطى ) ( الليل : 5 ) لأبي [ ص: 150 ] عمرو . وقال القاضي أبو بكر : " الفواصل حروف متشاكلة في المقاطع ، يقع بها إفهام المعاني " انتهى .

وفرق الإمام أبو عمرو الداني بين الفواصل ورءوس الآي ، قال : " أما الفاصلة فهي الكلام المنفصل مما بعده . والكلام المنفصل قد يكون رأس آية وغير رأس ، وكذلك الفواصل يكن رءوس آي وغيرها ، وكل رأس آية فاصلة ، وليس كل فاصلة رأس آية ، فالفاصلة تعم النوعين ، وتجمع الضربين ، ولأجل كون معنى الفاصلة هذا ذكر سيبويه في تمثيل القوافي ( يوم يأت ) ( هود : 105 ) و ( ما كنا نبغ ) ( الكهف : 64 ) - وهما غير رأس آيتين بإجماع - مع ( إذا يسر ) ( الفجر : 4 ) وهو رأس آية باتفاق " انتهى .

وتقع الفاصلة عند الاستراحة في الخطاب لتحسين الكلام بها ، وهي الطريقة التي يباين القرآن بها سائر الكلام وتسمى " فواصل " ; لأنه ينفصل عندها الكلامان ; وذلك أن آخر الآية فصل بينها وبين ما بعدها ، ولم يسموها " أسجاعا " .

فأما مناسبة " فواصل " ، فلقوله تعالى : ( كتاب فصلت آياته ) ( فصلت : 3 ) ، وأما تجنب " أسجاع " فلأن أصله من سجع الطير ، فشرف القرآن الكريم أن يستعار لشيء فيه لفظ هو أصل في صوت الطائر ، ولأجل تشريفه عن مشاركة غيره من الكلام الحادث في اسم [ ص: 151 ] السجع الواقع في كلام آحاد الناس ، ولأن القرآن من صفات الله - عز وجل - فلا يجوز وصفه بصفة لم يرد الإذن بها وإن صح المعنى .

ثم فرقوا بينهما فقالوا : " السجع هو الذي يقصد في نفسه ثم يحيل المعنى عليه ، والفواصل التي تتبع المعاني ، ولا تكون مقصودة في نفسها " . قاله الرماني في كتاب " إعجاز القرآن " وبنى عليه أن الفواصل بلاغة ، والسجع عيب .

وتبعه القاضي أبو بكر الباقلاني في كتاب " إعجاز القرآن " ، ونقل عن الأشعرية امتناع كون في القرآن سجع . قال : " ونص عليه الشيخ أبو الحسن الأشعري في غير موضع من كتبه " قال : " وذهب كثير من مخالفيهم إلى إثبات السجع في القرآن ، وزعموا أن ذلك مما تبين فيه فضل الكلام ، وأنه من الأجناس التي يقع بها التفاضل في البيان والفصاحة كالتجنيس والالتفاف ونحوها " . قال : " وأقوى ما استدلوا به الاتفاق على أن موسى أفضل من هارون - عليهما السلام - ولمكان السجع قيل في موضع : ( هارون وموسى ) ( طه : 70 ) ، ولما كانت الفواصل في موضع آخر بالواو والنون قيل : ( موسى وهارون ) ( الشعراء : 48 ) قالوا : وهذا يفارق أمر الشعر ؛ لأنه لا يجوز أن يقع في الخطاب إلا مقصودا إليه ، وإذا وقع غير مقصود إليه كان دون القدر الذي نسميه شعرا ، وذلك القدر يتفق [ ص: 152 ] وجوده من المفحم ، كما يتفق وجوده في الشعر ، وأما ما جاء في القرآن من السجع فهو كثير لا يصح أن يتفق كله غير مقصود إليه .

قال : " وبنوا الأمر في ذلك على تحديد معنى السجع ; قال أهل اللغة : هو موالاة الكلام على روي واحد . قال ابن دريد : " سجعت الحمامة : معناه رددت صوتها " .

قال القاضي : " وهذا الذي يزعمونه غير صحيح ، ولو كان القرآن سجعا لكان غير خارج عن أساليب كلامهم ، ولو كان داخلا فيها لم يقع بذلك إعجاز ، ولو جاز أن يقال هو سجع معجز لجاز لهم أن يقولوا : شعر معجز ، وكيف والسجع مما كانت كهان العرب تألفه ، ونفيه من القرآن أجدر بأن يكون حجة من نفي الشعر ; لأن الكهانة تخالف النبوات بخلاف الشعر " .

" وما توهموا من أنه سجع باطل ; لأن مجيئه على صورته لا يقتضي كونه هو ; لأن السجع من الكلام يتبع المعنى فيه اللفظ الذي يؤدي السجع ، وليس كذلك ما اتفق مما هو في معنى السجع من القرآن ; لأن اللفظ وقع فيه تابعا للمعنى ، وفرق بين أن ينتظم الكلام في نفسه بألفاظه التي تؤدي المعنى المقصود فيه وبين أن يكون المعنى منتظما دون اللفظ ، ومتى ارتبط المعنى بالسجع كان إفادة السجع كإفادة غيره ، ومتى انتظم المعنى بنفسه دون السجع كان مستجلبا لتحسين الكلام دون تصحيح المعنى .

[ ص: 153 ] قال : " وما ذكروه في تقديم موسى على هارون في موضع وتأخيره عنه في موضع لأجل السجع ، وتساوي مقاطع الكلام فمردود ، بل الفائدة فيه إعادة القصة الواحدة بألفاظ مختلفة تؤدي معنى واحدا ، وذلك من الأمر الصعب الذي تظهر فيه الفصاحة وتقوى البلاغة ، ولهذا أعيدت كثير من القصص في مواضع كثيرة مختلفة على ترتيبات متفاوتة ; تنبيها بذلك على عجزهم عن الإتيان بمثله ، مبتدأ به ومتكررا .

ولو أمكنهم المعارضة لقصدوا تلك القصة وعبروا عنها بألفاظ لهم تؤدي إلى تلك المعاني ونحوها . فعلى هذا ، القصد بتقديم بعض الكلمات على بعض وتأخيرها إظهار الإعجاز دون السجع " إلى أن قال : " فبان بما قلنا أن الحروف الواقعة في الفواصل ، مناسبة موقع النظائر التي تقع في الأسجاع لا تخرجها عن حدها ، ولا تدخلها في باب السجع ، وقد بينا أنهم يذمون كل سجع خرج عن اعتدال الأجزاء ، فكان بعض مصاريعه كلمتين ، وبعضها أربع كلمات ، ولا يرون ذلك فصاحة ، بل يرونه عجزا ، فلو فهموا اشتمال القرآن على السجع لقالوا : نحن نعارضه بسجع معتدل ، فنزيد في الفصاحة على طريق القرآن " انتهى ما ذكره القاضي والرماني .

رد عليهما الخفاجي في كتاب " سر الفصاحة " فقال : " وأما قول الرماني : إن السجع [ ص: 154 ] عيب ، والفواصل بلاغة فغلط ، فإنه إن أراد بالسجع ما يتبع المعنى وكأنه غير مقصود ، فذلك بلاغة والفواصل مثله ، وإن أراد به ما تقع المعاني تابعة له وهو مقصود متكلف ، فذلك عيب ، والفواصل مثله " . قال : وأظن أن الذي دعاهم إلى تسمية كل ما في القرآن فواصل ولم يسموا ما تماثلت حروفه سجعا رغبتهم في تنزيه القرآن عن الوصف اللاحق بغيره من الكلام المروي عن الكهنة وغيرهم وهذا غرض في التسمية قريب ، والحقيقة ما قلناه .

ثم قال : والتحرير أن الأسجاع حروف متماثلة في مقاطع الفواصل . فإن قيل إذا كان عندكم أن السجع محمود فهلا ورد القرآن كله مسجوعا ! وما الوجه في ورود بعضه مسجوعا وبعضه غير مسجوع ؟ قلنا : إن القرآن نزل بلغة العرب وعلى عرفهم وعادتهم ، وكان الفصيح منهم لا يكون كلامه كله مسجوعا لما فيه من أمارات التكلف والاستكراه والتصنع ، لا سيما فيما يطول من الكلام ، فلم يرد كله مسجوعا جريا منه على عرفهم في الطبقة العالية من كلامهم ، ولم يخل من السجع ؛ لأنه يحسن في بعض الكلام على الصفة السابقة ، فهذا هو السبب في ورود بعضه كذلك وبعضه بخلافه " .

وخصت فواصل الشعر باسم القوافي لأن الشاعر يقفوها ولا يتبعها في الشعر ، لا يخرج عنها ، وهي في الحقيقة فاصلة ؛ لأنها تفصل آخر الكلام ، فالقافية أخص في الاصطلاح ؛ إذ كل قافية فاصلة ولا عكس .

ويمتنع استعمال القافية في كلام الله تعالى ؛ لأن الشرع لما سلب عنه اسم الشعر وجب سلب القافية أيضا عنه ; لأنها منه ، وخاصة به في الاصطلاح ، وكما يمتنع استعمال القافية في القرآن لا تنطلق الفاصلة في الشعر ؛ لأنها صفة لكتاب الله فلا تتعداه .

قيل : وقد يقع في القرآن الإيطاء ، وهو ليس بقبيح فيه ؛ إنما يقبح في الشعر كقوله تعالى [ ص: 155 ] في سورة البقرة : ( كأنهم لا يعلمون ) ( الآية : 101 ) ، ثم قال في آخرين : ( لو كانوا يعلمون ) ( 102 - 103 ) ، ثلاث فواصل متوالية : ( يعلمون ) ، ( يعلمون ) ، فهذا لا يقبح في القرآن قولا واحدا .

قيل : ويقع فيه التضمين وليس بقبيح ، إنما يقبح في الشعر ، ومنه سورتان : الفيل وقريش ; فإن اللام في ( لإيلاف قريش ) ( قريش : 1 ) ، قيل إنها متعلقة بـ ( فجعلهم ) ( الفيل : 5 ) في آخر الفيل .

وحكى حازم في " منهاج البلغاء " خلافا غريبا فقال : وللناس في الكلام المنثور من جهة تقطيعه إلى مقادير بتفاوت في الكمية وتتناسب مقاطعها على ضرب منها أو بالنقلة من ضرب واقع في ضربين أو أكثر إلى ضرب آخر مزدوج ، في كل ضرب ضرب منها أو يزيد على الازدواج ، ومن جهة ما يكون غير مقطع إلى مقادير يقصد لمناسبة أطرافها ، وتقارب ما بينها في كمية الألفاظ والحروف ، ثلاثة مذاهب :

منهم من يكره تقطيع الكلام إلى مقادير متناسبة الأطراف غير متقاربة في الطول والقصر لما فيه من التكلف ، إلا ما يقع به الإلمام في النادر من الكلام .

والثاني أن التناسب الواقع بإفراغ الكلام في قوالب التقفية وتحليتها بمناسبات المقاطع أكيد جدا .

والثالث - وهو الوسط - أن السجع لما كان زينة للكلام ، فقد يدعو إلى التكلف ، فرئي ألا يستعمل في جملة الكلام ، وأن لا يخلى الكلام بالجملة منه أيضا ، ولكن يقبل من [ ص: 156 ] الخاطر فيه ما اجتلبه عفوا ، بخلاف التكلف ، وهذا إذا رأي أبي الفرج قدامة .

قال أبو الحسن : وكيف يعاب السجع على الإطلاق ! وإنما نزل القرآن على أساليب الفصيح من كلام العرب ، فوردت الفواصل فيه بإزاء ورود الأسجاع في كلام العرب ، وإنما لم يجئ على أسلوب واحد ; لأنه لا يحسن في الكلام جميعا أن يكون مستمرا على نمط واحد لما فيه من التكلف ، ولما في الطبع من الملل عليه ، ولأن الافتنان في ضروب الفصاحة أعلى من الاستمرار على ضرب واحد ، فلهذا وردت بعض آي القرآن متماثلة المقاطع ، وبعضها غير متماثل .
-->
من مواضيع ناصر السنة

ناصر السنة غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-27-2012, 09:55 AM   #14
ابو ابتسام
 
الصورة الرمزية ناصر السنة
 
تاريخ التسجيل: Jun 2012
الدولة: في عالم الدنيا الفانية
المشاركات: 61
معدل تقييم المستوى: 0
ناصر السنة is on a distinguished road
افتراضي رد: سَنَدُنَا بِكِتَابِ الْبُرْهَانِ فِي عُلُومِ الْقُرْآنِ

فصل

واعلم أن إيقاع المناسبة في مقاطع الفواصل حيث تطرد متأكد جدا ، ومعتبر في اعتدال نسق الكلام وحسن موقعه من النفس تأثيرا عظيما ، ولذلك خرج عن نظم الكلام لأجلها في مواضع : أحدها : زيادة حرف لأجلها ، ولهذا ألحقت الألف بـ " الظنون " في قوله تعالى : ( وتظنون بالله الظنونا ) ( الأحزاب : 10 ) ؛ لأن مقاطع فواصل هذه السورة ألفات منقلبة عن تنوين في الوقف ، فزيد على النون الألف لتساوي المقاطع ، وتناسب نهايات الفواصل ، ومثله : ( فأضلونا السبيلا ) ( الأحزاب : 67 ) ، ( وأطعنا الرسولا ) ( الأحزاب : 66 ) .

[ ص: 157 ] وأنكر بعض المغاربة ذلك ، وقال : لم تزد الألف لتناسب رءوس الآي كما قال قوم ; لأن في سورة الأحزاب : ( والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ) ( الآية : 4 ) وفيها : ( فأضلونا السبيلا ) ( الأحزاب : 67 ) ، وكل واحد منها رأس آية ، وثبتت الألف بالنسبة إلى حالة أخرى غير تلك في الثاني دون الأول ، فلو كان لتناسب رءوس الآي لثبت في الجميع .

قالوا : وإنما زيدت الألف في مثل ذلك لبيان القسمين واستواء الظاهر والباطن بالنسبة إلى حالة أخرى غير تلك ، وكذلك لحاق هاء السكت في قوله : ( ما هيه ) ( القارعة : 10 ) في سورة القارعة ، هذه الهاء عدلت مقاطع الفواصل في هذه السورة ، وكان للحاقها في هذا الموضع تأثير عظيم في الفصاحة .

وعلى هذا - والله أعلم - ينبغي أن يحمل لحاق النون في المواضع التي تكلم في لحاق النون إياها ، نحو قوله تعالى : ( وكل في فلك يسبحون ) ( يس : 40 ) ، وقوله تعالى : ( كونوا قردة خاسئين ) ( البقرة : 65 ) ، فإن من مآخذ الفصاحة ومذاهبها أن يكون ورود هذه النون في مقاطع هذه الأنحاء للآي راجح الأصالة في الفصاحة لتكون فواصل السور الوارد فيها ذلك قد استوثق فيما قبل حروفها المتطرفة وقوع حرفي المد واللين . وقوله تعالى : ( وطور سينين ) ( التين : 2 ) وهو طور سيناء ; لقوله : ( وشجرة تخرج من طور سيناء ) ( المؤمنون : 20 ) .

وقوله تعالى : ( لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون ) ( يوسف : 46 ) كرر " لعل " مراعاة لفواصل الآي ; إذ لو جاء على الأصل لقال : لعلي أرجع إلى الناس فيعلموا بحذف النون على الجواب .

( الثاني ) حذف همزة أو حرف اطرادا كقوله تعالى : ( والليل إذا يسر ) ( الفجر : 4 ) .

[ ص: 158 ] ( الثالث ) الجمع بين المجرورات وبذلك يجاب عن سؤال في قوله تعالى : ( ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا ) ( الإسراء : 69 ) ، فإنه قد توالت المجرورات بالأحرف الثلاثة ؛ وهي اللام في ( لكم ) والباء في ( به ) و " على " في ( علينا ) وكان الأحسن الفصل .

وجوابه أن تأخر ( تبيعا ) وترك الفصل أرجح من أن يفصل به بين بعض الروابط ، وكذلك الآيات التي تتصل بقوله : ( ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا ) ( الإسراء : 69 ) ، فإن فواصلها كلها منصوبة منونة ، فلم يكن بد من تأخير قوله : ( تبيعا ) لتكون نهاية هذه الآية مناسبة لنهايات ما قبلها حتى تتناسق على صورة واحدة .

( الرابع ) تأخير ما أصله أن يقدم كقوله تعالى : ( فأوجس في نفسه خيفة موسى ) ( طه : 67 ) لأن أصله أن يتصل الفعل بفاعله ويؤخر المفعول ، لكن أخر الفاعل وهو " موسى " لأجل رعاية الفاصلة .

قلت : للتأخير حكمة أخرى ، وهي أن النفس تتشوق لفاعل ( أوجس ) فإذا جاء بعد أن أخر وقع بموقع .

وكقوله تعالى : ( ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى ) ( طه : 129 ) فإن قوله : ( وأجل مسمى ) معطوف على ( كلمة ) ولهذا رفع . والمعنى : ( ولولا كلمة سبقت من ربك ) في التأخير ( وأجل مسمى ) لكان العذاب لزاما ، لكنه قدم وأخر لتشتبك رءوس الآي ; قاله ابن عطية .

وجوز الزمخشري عطفه على الضمير في ( لكان ) أي لكان الأجل العاجل وأجل مسمى لازمين له كما كانا لازمين لعاد وثمود ولم ينفرد الأجل المسمى دون الأجل العاجل .

ومنه قوله تعالى : ( ولقد جاء آل فرعون النذر ) ( القمر : 41 ) فأخر الفاعل لأجل الفاصلة .

[ ص: 159 ] وقوله : ( ومما رزقناهم ينفقون ) ( البقرة : 3 ) أخر الفعل عن المفعول فيها وقدمه فيما قبلها في قوله : ( يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ) ( البقرة : 3 ) ليوافق الآي ، قاله أبو البقاء وهو أجود من قول الزمخشري : قدم المفعول للاختصاص .

ومنه تأخير الاستعانة عن العبادة في قوله تعالى : ( إياك نعبد وإياك نستعين ) ( الفاتحة : 5 ) وهي قبل العبادة ، وإنما أخرت لأجل فواصل السورة في أحد الأجوبة .

( الخامس ) : إفراد ما أصله أن يجمع كقوله تعالى : ( إن المتقين في جنات ونهر ) ( القمر : 54 ) قال الفراء : " الأصل الأنهار ، وإنما وحد لأنه رأس آية ، فقابل بالتوحيد رءوس الآي . ويقال : النهر الضياء والسعة ، فيخرج من هذا الباب " .

وقوله : ( وما كنت متخذ المضلين عضدا ) ( الكهف : 51 ) قال ابن سيده في " المحكم " : أي أعضادا ، وإنما أفرد ليعدل رءوس الآي بالإفراد ، والعضد : المعين .

( السادس ) : جمع ما أصله أن يفرد كقوله تعالى : ( لا بيع فيه ولا خلال ) [ ص: 160 ] ( إبراهيم : 31 ) فإن المراد " ولا خلة " بدليل الآية الأخرى ، لكن جمعه لأجل مناسبة رءوس الآي .

( السابع ) : تثنية ما أصله أن يفرد كقوله تعالى : ( ولمن خاف مقام ربه جنتان ) ( الرحمن : 46 ) .

قال الفراء أيضا : هذا باب مذهب العرب في تثنية البقعة الواحدة وجمعها كقوله : "
ودار لها بالرقمتين
" وقوله : " بطن المكتين " ، وأشير بذلك إلى نواحيها ، أو للإشعار بأن لها وجهين ، وأنك إذا أوصلتها ونظرت إليها يمينا وشمالا رأيت في كلتا الناحيتين ما يملأ عينك قرة وصدرك مسرة .

قال : وإنما ثناهما لأجل الفاصلة رعاية للتي قبلها والتي بعدها على هذا الوزن والقوافي تحتمل في الزيادة والنقصان ما لا يحتمله سائر الكلام .

وأنكر ذلك ابن قتيبة عليه وأغلظ وقال : إنما يجوز في رءوس الآي زيادة هاء السكت أو الألف أو حذف همزة أو حرف ، فأما أن يكون الله وعد جنتين فيجعلهما جنة واحدة من أجل رءوس الآي فمعاذ الله ، وكيف هذا وهو يصفها بصفات الاثنين ، قال : ( ذواتا أفنان ) ( الرحمن : 48 ) ثم قال فيها : ( فيهما ) ( الرحمن :

) ، ولو أن قائلا قال في خزنة [ ص: 161 ] النار إنهم عشرون وإنما جعلهم الله تسعة عشر لرأس الآية ، ما كان هذا القول إلا كقول الفراء .

قلت : وكأن الملجئ للفراء إلى ذلك قوله تعالى : ( وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى ) ( النازعات : 40 - 41 ) وعكس ذلك قوله تعالى : ( فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى ) ( طه : 117 ) على أن هذا قابل للتأويل ، فإن الألف واللام للعموم ، خصوصا أنه يرد على الفراء قوله : ( ذواتا أفنان ) ( الرحمن : 48 ) .

( الثامن ) : تأنيث ما أصله أن يذكر كقوله تعالى : ( كلا إنه تذكرة ) ( المدثر : 54 ) أي تذكير ، وإنما عدل إليها للفاصلة .

( التاسع ) : كقوله : ( سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق ) ( الأعلى : 1 - 2 ) قال في العلق ( اقرأ باسم ربك الذي خلق ) ( الآية : 1 ) فزاد في السورة الأولى : ( الأعلى ) وزاد في الثانية : ( خلق ) مراعاة للفواصل في السورتين وهي في " سبح " : ( الذي خلق فسوى ) ( 2 ) وفي " العلق " : ( خلق الإنسان من علق ) ( 2 ) .

( العاشر ) صرف ما أصله ألا ينصرف كقوله تعالى : ( قوارير قوارير ) ( الإنسان : 15 - 16 ) صرف الأول لأنه آخر الآية ، وآخر الثاني بالألف فحسن جعله منونا ليقلب تنوينه ألفا ، فيتناسب مع بقية الآي كقوله تعالى : ( سلاسلا وأغلالا ) ( الإنسان : 4 ) فإن ( سلاسلا ) لما نظم إلى ( وأغلالا وسعيرا ) صرف ونون للتناسب وبقي ( قوارير ) الثاني ; فإنه وإن لم يكن آخر الآية جاز صرفه لأنه لما نون ( ( قواريرا ) ) الأول ناسب أن ينون ( ( قواريرا ) ) الثاني ليتناسبا ، ولأجل هذا لم ينون ( ( قواريرا ) ) الثاني إلا من ينون ( ( قواريرا ) ) الأول .

وزعم إمام الحرمين في " البرهان " أن من ذلك صرف ما كان جمعا في القرآن [ ص: 162 ] ليناسب رءوس الآي كقوله تعالى : ( سلاسلا وأغلالا ) .

وهذا مردود ; لأن ( ( سلاسلا ) ) ليس رأس آية ولا ( ( قواريرا ) ) الثاني ، وإنما صرف للتناسب واجتماعه مع غيره من المنصرفات ، فيرد إلى الأصل ليتناسب معها .

ونظيره في مراعاة المناسبة أن الأفصح أن يقال " بدأ " ثلاثي ؛ قال الله تعالى : ( كما بدأكم تعودون ) ( الأعراف : 29 ) وقال تعالى : ( كيف بدأ الخلق ) ( العنكبوت : 20 ) ثم قال : ( أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده ) ( العنكبوت : 19 ) فجاء به رباعيا فصيحا لما حسنه من التناسب بغيره ، وهو قوله : ( يعيده ) .

( الحادي عشر ) إمالة ما أصله ألا يمال كإمالة ألف ( والضحى والليل إذا سجى ) ( الضحى : 1 - 2 ) ليشاكل التلفظ بهما التلفظ بما بعدهما .

والإمالة أن تنحو بالألف نحو الياء ، والغرض الأصلي منها هو التناسب ، وعبر عنه بعضهم بقوله : الإمالة للإمالة ، وقد يمال لكونها آخر مجاور ما أميل آخره ، كألف تلا في قوله تعالى : ( والقمر إذا تلاها ) ( الشمس : 2 ) فأميلت ألف تلاها ليشاكل اللفظ بها اللفظ الذي بعدها مما ألفه غير ياء نحو : ( جلاها ) ( الشمس : 3 ) و ( غشاها ) ( النجم : 54 ) .

فإن قيل : هلا جعلت إمالة ( تلاها ) لمناسبة ما قبلها ؛ أعني ( ضحاها ) ( النازعات : 29 ) قيل : لأن ألف ( ضحاها ) عن واو ، وإنما أميل لمناسبة ما بعدها .

( الثاني عشر ) : العدول عن صيغة المضي إلى الاستقبال كقوله تعالى : ( ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون ) ( البقرة : 87 ) حيث لم يقل وفريقا قتلتم ، كما سوى بينهما في سورة الأحزاب فقال : ( فريقا تقتلون وتأسرون فريقا ) ( الآية : 26 ) وذلك لأجل أنها هنا رأس آية .
-->
من مواضيع ناصر السنة

ناصر السنة غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-27-2012, 09:56 AM   #15
ابو ابتسام
 
الصورة الرمزية ناصر السنة
 
تاريخ التسجيل: Jun 2012
الدولة: في عالم الدنيا الفانية
المشاركات: 61
معدل تقييم المستوى: 0
ناصر السنة is on a distinguished road
افتراضي رد: سَنَدُنَا بِكِتَابِ الْبُرْهَانِ فِي عُلُومِ الْقُرْآنِ

[ ص: 163 ] ثم هنا تفريعات :

( الأول ) : قد كثر في القرآن الكريم ختم كلمة المقطع من الفاصلة بحروف المد واللين وإلحاق النون ، وحكمته وجود التمكن من التطريب بذلك .

قال سيبويه - رحمه الله - : " أما إذا ترنموا فإنهم يلحقون الألف والواو والياء ما ينون وما لا ينون ؛ لأنهم أرادوا مد الصوت ، وإذا أنشدوا ولم يترنموا فأهل الحجاز يدعون القوافي على حالها في الترنم ، وناس كثير من بني تميم يبدلون مكان المدة النون " . انتهى .

وجاء القرآن على أعذب مقطع وأسهل موقف .
-->
من مواضيع ناصر السنة

ناصر السنة غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-27-2012, 09:56 AM   #16
ابو ابتسام
 
الصورة الرمزية ناصر السنة
 
تاريخ التسجيل: Jun 2012
الدولة: في عالم الدنيا الفانية
المشاركات: 61
معدل تقييم المستوى: 0
ناصر السنة is on a distinguished road
افتراضي رد: سَنَدُنَا بِكِتَابِ الْبُرْهَانِ فِي عُلُومِ الْقُرْآنِ

( الثاني ) : إن مبنى الفواصل على الوقف ، ولهذا شاع مقابلة المرفوع بالمجرور وبالعكس ، وكذا المفتوح والمنصوب غير المنون ، ومنه قوله تعالى : ( إنا خلقناهم من طين لازب ) ( الصافات : 11 ) مع تقدم قوله : ( عذاب واصب ) ( الآية : 9 ) ، و ( شهاب ثاقب ) ( الآية : 10 ) ، وكذا ( بماء منهمر ) ( القمر : 11 ) و قد قدر ( الآية : 12 ) ، وكذا ( وما لهم من دونه من وال ) ( الرعد : 11 ) مع ( وينشئ السحاب الثقال ) ( الآية : 12 ) .

وعبارة السكاكي قد تعطي اشتراط كون السجع يشترط فيه الموافقة في الإعراب لما قبله على تقدير عدم الوقوف عليه ، كما يشترط ذلك في الشعر . وبه صرح ابن الخشاب [ ص: 164 ] معترضا على قول الحريري في المقامة التاسعة والعشرين :


يا صارفا عني المـ ودة والزمان له صروف ومعنفي في فضح من
جاوزت تعنيف العسوف لا تلحني فيما أتيـ
ـت فإنني بهم عروف ولقد نزلت بهم فلم
أرهم يراعون الضيوف وبلوتهم فوجدتهم لما سبكتهم زيوف


ألا ترى أنك إذا أطلقت ظهر الأول والثالث مرفوعين والرابع والخامس منصوبين والثاني مجرورا ، وكذا باقي القصيدة .

والصواب أن ذلك ليس بشرط لما سبق ، ولا شك أن كلمة الأسجاع موضوعة على أن تكون ساكنة الأعجاز موقوفا عليها ؛ لأن الغرض المجانسة بين القرائن والمزاوجة ، ولا يتم ذلك إلا بالوقف ، ولو وصلت لم يكن بد من إجراء كل القرائن على ما يقتضيه حكم الإعراب ، فعطلت عمل الساجع وفوت غرضهم .

وإذا رأيتهم يخرجون الكلم عن أوضاعها لغرض الازدواج فيقولون : " آتيك بالغدايا والعشايا " مع أن فيه ارتكابا لما يخالف اللغة ، فما ظنك بهم في ذلك .
-->
من مواضيع ناصر السنة

ناصر السنة غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة



الساعة الآن 04:31 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.6.0 TranZ By Almuhajir